السيد كمال الحيدري
348
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
الذي أبطلته البحوث العلمية في الهيئة والطبيعيات وأثبت عدم صحّته من خلال الحسّ والتجربة . ثالثاً : ليس من الصحيح الانسياق وراء طريقة الفهم التي تلغى وجود المصداق الخارجي للعرش ، وتحمل استعمال القرآن له على الكناية ، ليكون معنى قوله سبحانه : ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ هو كناية عن استيلائه سبحانه على عالم الخلق وحسب . أجل ، التعبير في الآية يجرى مجرى الكناية بحسب اللفظ ، بيدَ أنّ ذلك لا ينافي وجود حقيقة تعتمد عليها هذه الكناية اللفظية . بتعبير الطباطبائي نفسه : « قوله تعالى ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ في عين أنّه تمثيل يبيِّن به أنّ له إحاطة تدبيرية لملكه ؛ يدلّ على أنّ هناك مرحلة حقيقيّة هي المقام الذي يجتمع فيه جميع أزمّة الأمور على كثرتها واختلافها . ويدلّ عليه آيات أخر تذكر العرش وحده وتنسبه إليه تعالى ، كقوله تعالى : وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ( التوبة : 129 ) ، وقوله : الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ ( المؤمن : 7 ) ، وقوله : وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ( الحاقة : 17 ) ، وقوله : حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ ( الزمر : 75 ) . فالآيات كما ترى تدلّ بظاهرها على أنّ العرش حقيقة من الحقائق العينية ، وأمر من الأمور الخارجية . ولذلك نقول إنّ للعرش في قوله : ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مصداقاً خارجيّاً ، ولم يوضع في الكلام لمجرّد تتميم المثل » « 1 » . الحصيلة أنّ العرش والكرسي كليهما مرتبتان من مراتب علم الله الفعلي لهما صلة ماسّة بالربوبية وتدبير الوجود والنظام الكوني . هذا المعنى يمكن استئنافه مجدّداً في ضوء نصوص روائية تحمل الدلالة ذاتها .
--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، ج 8 ، ص 156 .