السيد كمال الحيدري

349

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

3 تحليل مستأنف في ضوء النصّ لقد توفّرت النصوص الروائية التي حفلت بها الفقرة الأولى من البحث على بيان الدلالات المفهومية التي انتهت إليها الفقرة الثانية ، بيدَ أنّ ذلك لا يمنع من استئناف البحث على إيقاع الدلالات ذاتها من خلال نصّ منتخب للإمام أمير المؤمنين ، خاصّة بعد أن صارت صورة البحث واضحة لفظاً ومفهوماً . في هذا السياق سنعمد إلى انتخاب النصّين التاليين : النصّ الأوّل : في « الأصول من الكافي » ، عن أحمد بن محمّد البرقي رفعه ، قال : « سأل الجاثليق أمير المؤمنين عليه السلام فقال : اخبرني عن الله عزّ وجلّ يحمل العرش أم العرش يحمله ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام : الله عزّ وجلّ حامل العرش والسماوات والأرض وما فيهما وما بينهما ، وذلك قول الله عزّ وجلّ : إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً « 1 » . من الواضح أنّ العالم المسيحي أخذ الحمل بمعنى حمل الجسم للجسم ، فصحّح له الإمام أمير المؤمنين بأخذ الحمل بمعناه التحليلي ، ومن ثمّ فسّره له بمعنى حمل وجود الشئ ، الذي يعنى قيام وجود الأشياء به سبحانه قياماً تبعيّاً محضاً لا استقلاليّاً . ومن الواضح أنّ لازم هذا المعنى أن تكون الأشياء محمولة لله لا حاملة . الأجزاء الأخرى من الحديث تؤكّد هذا المنحى ، وما بذله الإمام أمير المؤمنين من سعى لإيضاح المقصود بعيداً عن إيحاءات التجسيم والتشبيه . يبدو أنّ المناخ التجسيمى كان يفرض هيمنته بكثافة على ذهنية الجاثليق ، الذي راح يسأل الإمام في جزء آخر من النصّ ، بقوله : « فأخبرني عن الله

--> ( 1 ) فاطر : 41 .