السيد كمال الحيدري

344

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

غيرهم كالبساط والمتّكأ ، حتّى آل الأمر إلى إيجاد الأسِرّة والتخوت فاتُّخذ للملك ما يسمّى عرشاً ، وهو أعظم وأرفع وأخصّ بالملك ، والكرسي يعمّه وغيرَه . واستدعى التداول والتلازم أن يُعرَف الملك بالعرش كما كان العرش يُعرَف بالملك في أوّل الأمر ، فصار العرش حاملًا لمعنى الملك ، ممثّلًا لمقام السلطنة ، إليه يرجع وينتهى ، وفيه تتوحّد أزمّة المملكة في تدبير أمورها وإدارة شؤونها . بعد أن يشير إلى أهمّية بل ضرورة وجود مركز واحد للتدبير والقرار ، ويقارب ذلك بالسيرة التي مضت عليها المجتمعات الإنسانية ، وكيف أنّ غياب هذه البؤرة المركزية في التدبير والقرار سرعان ما يؤدّى إلى تلاشى الأمم والمجتمعات ، يعود ليرسم العلاقة بين هذا المركز الذي يجمع بيده أزمّة الأمور وبين التراتيب الإدارية التي تليه ، ليوضح أنّ المركز يطوى في بؤرته وكثافة تمركزه جميع التفصيلات الإدارية التالية التي تصدر على نسق إدارىّ نازل ، في حين إنّ الأنساق الإدارية التالية تطوى في أحشائها وحدة التدبير الموجودة في المركز . فلو افترضنا أنّ هذا المركز هو رئاسة الوزراء في دولة معيّنة والوزارات هي النسق الإدارى التالي في هذا البلد ، فإنّ الأمر الصادر من رئاسة الوزراء يتفرّع من خلال الوزارات المختلفة ويتشعّب في عين كونه أمراً واحداً عندما يتحرّك على خطّ نازل من المركز الأعلى إلى ما دونه ، في حين يعود للكثافة والتجمّع عندما يتحرّك على خطّ صاعد ليعود أمراً واحداً عند نقطة الذروة المتمثِّلة برئاسة الوزراء . يقول موضحاً هذا المعنى : « ومن عجيب أمر هذا الزمام وانبساطه وسعته في عين وحدته ، أنّ الأمر الواحد الصادر من هذا المقام يسير في منازل الكراسي التابعة له على كثرتها واختلاف مراتبها ، فيتشكّل في كلّ منزل بشكل يلائمه ويُعرَف فيه ، ويتصوّر لصاحبه بصورة ينتفع بها ويأخذها ملاكاً لعمله . يقول مصدر الأمر : لِيَجْرِ الأمر ، فتأخذه المصالح المالية تكليفاً ماليّاً ، ومصالح