السيد كمال الحيدري

343

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

مرّة أخرى سنجد أنّ التحليل المفهومي لا يتنكّر للمعنى اللغوي ولا للمفاهيم الأخرى المستمدّة منه أو المؤسّسة من حوله ، لكن بعد تطهير هذه المفاهيم من شآبيب المادّة وصَرْف العرش إلى مصداق في العالم الآخر يؤدّى الغرض ذاته ، من دون أن يكون موضعاً مادّياً ومحلًّا ثابتاً يحيط بصاحب العزّة والجلال سبحانه وهو يمارس تدبير الأمر الألوهى وما يتّصل بالربوبية . ربما كان الطباطبائي من بين المفسِّرين الذين أشبعوا البحث في مفهوم العرش خلال مواضع متعدّدة من تفسيره ، وإن كان ذلك لم يمنعه من توجيه نقد محدّد إلى النظرية أو الاتجاه التعطيلى الذي يرمى إلى حرمان المسلمين من ممارسة البحث والتفكير في هذا الضرب من المعرفة ، حيث يقول : « للناس في معنى العرش ، بل في معنى قوله ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ والآيات التي في هذا المساق مسالك مختلفة . فأكثر السلف على أنّها وما يشاكلها من الآيات من المتشابهات التي يجب أن يرجع علمها إلى الله سبحانه . وهؤلاء يرون البحث عن الحقائق الدينية والتطلّع إلى ما وراء ظواهر الكتاب والسنّة بدعة » « 1 » . بعد هذه الإشارة الناقدة يعود الطباطبائي إلى تأسيس التحديد المفهومي للعرش في ضوء دلالات المعنى اللغوي وما يحفّ به من استعمالات لكن في إطار القاعدة المنهجية المشار إليها آنفاً . فبعد أن ينقل كلام « الراغب الإصفهانى » في « المفردات » بأكمله يسعى إلى إضاءة المفهوم وتقريبه بلغة المثال والتداول الاجتماعي ، مفتتحاً ذلك كلّه بقوله : « والعرش ما يجلس عليه الملك وربّما كُنّىبه عن مقام السلطنة » « 2 » . ثمّ يوضح أنّ العادة استقرّت منذ القديم أن يختصّ العظماء من ولاة الناس وحكّامهم ومصادر أمورهم من المجلس بما يختصّ بهم ويتميّزون به عن

--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، ج 8 ، ص 153 . ( 2 ) المصدر السابق ، ص 148 .