السيد كمال الحيدري
339
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
يتنوّع وهو يمتدّ ليشمل بالإضافة إلى المصداق المتداول والمألوف في حياتنا الحسّية مصاديق أخرى فوق العالم المشهود . لهذه النظرية بذور كامنة في ممارسات علمية سابقة ، اكتشفت المتابعة بعض حلقاتها التي تمتدّ بها إلى أبى حامد الغزالي ( ت : 505 ه ) ، بيدَ أنّها اكتسبت طابعاً تنظيرياً مع عَلَمين من رادة الفكر الفلسفي والإسلامى خلال القرن الحادي عشر الهجري هما صدر الدين الشيرازي ( ت : 1050 ه ) ومحمّد محسن الكاشاني ( ت : 1091 ه ) المشهور بالفيض ، على ما يشهد للأوّل كتابه « مفاتيح الغيب » ، وللثاني كتابه « تفسير الصافي » خاصّة مقدّمات التفسير ، وإن كان الثاني قد نقل عن الأوّل رؤيته بالعبارات ذاتها بما يكاد يشبه الشكل الحرفي . مع رائد آخر من رادة البحث القرآني تحوّلت هذه النظرية إلى قاعدة من أهمّ القواعد التي تدخل في بناء وتكوين منهجه التفسيري ، بل إلى مفتاح منهجىّ أساسىّ استطاع توظيفه والإفادة منه ليس في مفهومي العرش والكرسي وحدهما ، بل امتدّ به على نطاق واسع شمل عدداً كبيراً من الحقائق القرآنية والدينية ، أعنى به السيّد محمّد حسين الطباطبائي ( ت : 1403 ه ) صاحب كتاب « الميزان في تفسير القرآن » . انطلاقاً من النظرية الخامسة « 1 » هذه سنمضى مع البحث في بيان التحديد المفهومي للعرش والكرسي ، بادئين بمكثة قصيرة مع المعنى اللغوي وما يمكن أن يقدِّمه من دلالات على هذا الصعيد . أ : الكرسىّ : وهو في لغة التعامل الاجتماعي اسم لما يُقعد عليه . أمّا في الجذر اللغوي فهو مشتقّ من « كرس » ، والكِرسُ أصل الشئ ، أي المتلبّد والمجتمع ، وكلّ مجتمع من الشئ كرس ، ومنه الكراسة للمتكرّس من
--> ( 1 ) مضى الحديث مفصّلًا عن هذه الاتجاهات الخمسة في مسار الفكر الإسلامي خلال الجزء الأوّل من الكتاب . ينظر : التوحيد ، ج 1 ، ص 300 289 .