السيد كمال الحيدري
340
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
الأوراق ، وكرّستُ البناء فتكرّس ، والكرُّوس المتركّب بعض أجزاء رأسه إلى بعضه لكبره « 1 » . سلفت الإشارة مرّات إلى أنّ التحديد المفهومي ربّما يأتي امتداداً للمعنى اللغوي مؤسّساً عليه . وعندئذ يكون المعنى اللغوي هو البناء التحتى الذي يُشيّد عليه المعنى الاصطلاحي دلالته ويستمدّها منه . ويبدو أنّ هذه قاعدة مطّردة في كثير من الألفاظ ، حيث يأتي المفهوم الاصطلاحي مستمدّاً من اللغة ، من دون أن يتصادم ذلك مع النظرية الخامسة التي عرضنا لها قبل قليل . فهذه النظرية لا تريد إلغاء المفهوم ، وهى بنحو أَوْلى لا تهدف إلى إلغاء المعاني اللغوية ، إنّما ينصبّ كلّ اهتمامها على عدم حصر المصداق الخارجي للمفهوم في المجال الاجتماعي والعرفي المتداول في نطاق عالم الحسّ والمادّة ، إذ هناك للمفهوم الواحد أكثر من مصداق ، يمتدّ بعضها إلى ما وراء عالم المادّة . النظرية الخامسة إذن لا تلغى لا المعاني اللغوية للألفاظ ولا مدلولاتها المفهومية ، إنّما تقول بتعدّد المصاديق للمفهوم الواحد ، وبإمكان أن تشمل هذه المصاديق عالم الحسّ والمادّة كما العالم الذي وراءه معاً . هذه الأبعاد نلمسها مجتمعة فيما ذهب إليه الطباطبائي مثلًا في تحديد مفهوم الكرسي ، انطلاقاً من تبنّيه للنظرية الخامسة « 2 » . يكتب : « قوله تعالى : وسع كرسيه السماوات والأرض ، الكرسي معروف وسمّى به لتراكم بعض أجزائه بالصناعة على بعض . وربّما كنّى بالكرسى عن الملك ، فيقال : كرسي
--> ( 1 ) المفردات في غريب القرآن ، مادّة كرس ، ص 428 . وقد ذكر أيضاً : روى عن ابن عبّاس أنّ الكرسي العلم . وهذا ما يصل المفهوم بما تبنّاه البحث في المتن من أنّ الكرسي من مراتب العلم الفعلي الداخل في الربوبية والتدبير . ( 2 ) ينظر صياغة الطباطبائي للنظرية وتحويلها إلى قاعدة منهجية فيما ذكره مقدّمات الميزان في تفسير القرآن ، ج 1 ، ص 10 4 ؛ ج 8 ، ص 155 ومواضع كثيرة أخرى .