السيد كمال الحيدري
327
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
للتوضيح ، حين نقول علىّ أبيض فنحن هنا إزاء شيئين : علىّ والبياض ، فالبياض قد يوجد وقد لا . ولكن حين نتحدّث عن علىّ الموجود الممكن ، فلا نتحدّث عن علي وعن إمكان عارض عليه ، بحيث يكون على شيئاً وإمكانه شيئاً آخر وعرضاً زائداً عليه كاللون ، بل هو نفسه . هكذا الحال بالنسبة لوجود هذه الأشياء التي يحفل بها عالم الإمكان وارتباطاتها ، فهما شئ واحد . لو أخذنا الإنسان مثالًا فهو مخلوق على نحو مضطرّ فيه إلى هذه العلائق بينه وبين الأشياء ، كما هو عليه الحال في علاقته مع الهواء والماء والغذاء والضياء ، بحيث لو فصلناه عن هذه الارتباطات لانتهى وجوده . وبذلك فإنّ هذه الارتباطات أُخذت في نحو وجود هذا الموجود ، لا أنّ هذا الموجود شئ والارتباطات شئ آخر وراء وجوده . تماماً كالسمك الذي خُلق بنحو له ارتباط مع الماء ، فليس للسمك وجود ولارتباطه بالماء وجود آخر ، بل هذا الوجود هو نحو وجود لا يمكنه أن يعيش إلّا في الماء . حين تكون هذه المقدّمات واضحة ، تكون المعادلة كما يلي : الربوبية أو التدبير هو إيجاد الارتباط بين الأشياء ، والارتباط مرجعه إلى نحو الوجود ، ونحو الوجود أوجده الخالق ( أوجده الله ) . وحيث إنّ الخالق واحد ، فالربّ والمدبّر واحد أيضاً . وهو المطلوب . هذا الوجه يثبت أنّ الربوبية ليست شيئاً وراء الخالقية ، بل هي عينها ، وهما شئ واحد أو هي شأن من شؤونها ، وإن كنّا نفصل بينهما لأغراض الدراسة والبحث ، على أنّ الحديث هنا عن الحقيقة لا عن المفهوم ، فمفهوم الخلق يختلف عن مفهوم الربوبيّة والتدبير ، لكنّهما يرجعان إلى حقيقة واحدة . وما دام الخالق واحداً فالربّ لابدّ وأن يكون واحداً أيضاً . الوجه الثاني : ينطلق من أنّ مدبّر الأشياء لابدّ وأن يكون واقفاً على أسرار وجودها لكي يستطيع أن يوصلها من خلال تدبيره لها إلى كمالها اللائق وغايتها المنشودة ، ومن دون علمه الكامل بها لا يستطيع المدبّر أن يمار