السيد كمال الحيدري

308

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

الملائكة والجنّ وقدّيسو البشر وهؤلاء هم الأرباب والآلهة بالحقيقة » « 1 » . بيدَ أنّ الملاحظ والمسموع من التاريخ الديني للأمم اتجاه عامّتهم إلى الأوثان والأصنام وما شابه ، وهذا ما تشهد له الهياكل والمعابد التي تضمّ الأصنام ، ممّا قد يوحى بمفارقة بين هذا الواقع وما يوحيه النصّ السابق . يعالج الطباطبائي هذه المفارقة بالمزيد من التوضيح بقوله : « أمّا الأصنام المصنوعة المنصوبة في الهياكل والمعابد فإنّما هي تماثيل للأرباب والآلهة وليست في نفسها أرباباً ولا آلهة ، غير أنّ الجهلة من عامّتهم ربّما لم يفرّقوا بين الأصنام وأرباب الأصنام فعبدوا الأصنام كما يُعبد الأرباب والآلهة . وكذلك كانت عرب الجاهلية وكذلك الجهلة من عامّة الصابئين ربّما لم يفرّقوا بين أصنام الكواكب والكواكب التي هي أيضاً أصنام لأرواحها الموكلة عليها وبين أرواحها التي هي الأرباب والآلهة بالحقيقة عند خاصّتهم . وكيف كان فالأرباب والآلهة هم المعبودون عندهم ، وهم موجودات ممكنة مخلوقة لله مقرّبة عنده ، مفوّضة إليهم تدبير أمر العالم لكلّ بحسب منزلته ، وأمّا الله سبحانه فليس له إلّا الخلق والإيجاد ، وهو ربّ الأرباب وإله الآلهة » . ثمّ ينعطف للقول : « إذا تذكّرت ما مرّ ظهر أنّ المراد بقوله : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اتخاذهم أرباباً يدبّرون الأمر ، بأن يسندوا الربوبية وأمر التدبير إليهم لا إلى الله فهم المدبّرون للأمر عندهم ، ويتفرّع عليه أن يُخضَع لهم ويُعبَدوا لأنّ العبادة لجلب النفع أو لدفع الضرر أو شكر النعم ، وكلّ ذلك إليهم لتصدّيهم أمر التدبير دون الله سبحانه » ( 1 ) . في نصّ أكثر دلالة على المطلوب وما وقع فيه هؤلاء من توحيد في الخالقية وشرك في الربوبية بفعل فلسفتهم هذه ، يكتب الطباطبائي موضّحاً منطقهم :

--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، ج 17 ، ص 233 ، 234 .