السيد كمال الحيدري

309

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

« يقولون ما نعبدهم هؤلاء إلّا ليقرّبونا بسبب عبادتنا لهم إلى الله تقريباً ، فهم عادلون منه تعالى إلى غيره . وإنّما سمّوا مشركين لأنّهم يشركون به تعالى غيره حيث يقولون بكونهم أرباباً وآلهة للعالم وكونه تعالى ربّاً وإلهاً لأولئك الأرباب والآلهة ، وأمّا الشركة في الخلق والإيجاد فلم يقل به لا مشرك ولا موحِّد » « 1 » . هذا المعنى الذي يشير إلى إجماع البشرية في توحيد الخالقية إلّا ما ندر ممّا لا يُعبأ به ، هو ما أكّده دارس آخر معروف بالتتبّع ، وله دراسات في الملل والنحل وعقائد الأمم ، حيث كتب قائلًا : « يستفاد بجلاء من مطالعة عقائد الوثنيّة في كتب الملل والنحل أنّ مسألة التوحيد في الخالقية كانت موضع اتّفاق ، وأنّ الانحراف كان في مسألة التدبير أوّلًا والعبادة ثانياً . فكان الوثنيّون موحِّدين في أمر الخلقة مشركين في الربوبية ثمّ العبادة » « 2 » . هذا النمط من « الفلسفة » في تبرير الشرك العبودي والاتجاه إلى من هو دون الله في أمر التدبير هو الذي يضعنا من جهة على الأهمّية العملية التي يحظى بها توحيد الربوبية وما له من آثار على السلوك الإنسانى ، كما يكشف لنا من جهة أخرى بعض بواعث العناية الفائقة التي أولاها القرآن الكريم لهذا البُعد في التوحيد ، كما تدلّ على ذلك الفقرة الآتية . 4 البُعد العملي لتوحيد الربوبية للتوحيد بجميع أبعاده ومكوّناته صلة مسيسة بحياة الإنسان وسلوكه الفردى والاجتماعي ، بيدَ أنّ ذلك لا يمنع من أن يكون لبعض الأبعاد صلة أكثر قرابة بالنشاط العملي للإنسان من الأبعاد الأخرى . فمع أنّه لا يمكن فصل التوحيد الذاتي والتوحيد الصفاتى عن السلوك العملي للإنسان ، إلّا أنَّ التوحيد

--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، ص 234 . ( 2 ) الإلهيات على هدى الكتاب والسنّة والعقل ، مصدر سابق ، ج 1 ، ص 403 .