السيد كمال الحيدري
307
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِى رَبِّى لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هذَا رَبِّى هذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّى بَرِىءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ « 1 » . فهذا المشهد القرآني يحكى قصّة إبراهيم عليه السلام مع قومه الذين أشركوا في الربوبية دون الخالقية واتّجهوا لعبادة الكواكب من دون ربّ العالمين . لم تقتصر العقيدة الوثنيّة الشركيّة والسلوك العبودي المنحرف المترتّب عليها على أرض بابل وحضارة ما بين النهرين ، بل يحكى القرآن الكريم صوراً أخرى من هذه الثقافة وطقوسها السلوكية في مصر الفراعنة كما حكاه على لسان يوسف عليه السلام وما جرى له هناك : يَا صَاحِبَىِ السِّجْنِ أَ أَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ « 2 » . سعت الوثنية واتجاهات الشرك في الربوبية إلى تأسيس فلسفة خاصّة تسوّغ على أساسها تصرّفاتها في العقيدة والسلوك ، مثلها في ذلك أىّ اتجاه آخر في الفكر والعمل ممّا شهدته الإنسانية في مسارها الطويل وما تزال . فالإنسان يلجأ أبداً إلى التبرير والتنظير والتفلسف كي يسبغ الصحّة على خياراته الفكرية والعملية ويضفى عليها ضرباً من الشرعية . يكتب الطباطبائي في ظلال الآية : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى « 3 » مشيراً إلى المرتكز الفلسفي للوثنيّة بقوله : « إنّ الوثنيّة يرون أنّ الله سبحانه أجلّ من أن يحيط به الإدراك الإنسانى من عقل أو وهم أو حسّ فيتنزّه تعالى عن أن يقع عليه توجّه عبادىّ منّا . فمن الواجب أن نتقرّب إليه بالتقرّب إلى مقرّبيه من خلقه ، وهم الذين فوّض إليهم تدبير شؤون العالم فنتّخذهم أرباباً من دون الله ، ثمّ آلهة نعبدهم ونتقرّب إليهم ليشفعوا لنا عند الله ويقرّبونا إليه زلفى ، وهؤلاء هم
--> ( 1 ) الأنعام : 78 75 . ( 2 ) يوسف : 40 39 . ( 3 ) الزمر : 3 .