السيد كمال الحيدري
306
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
بعد أن يعرض القرآن الانحراف الذي انزلق إليه هؤلاء يلفت بحزم إلى أنّ التدبير والربوبية حقّ حصرىّ لخالق الوجود . فبعد أن يأخذ عليهم إقرارهم بتوحيد الخالقية بقوله تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ يمارس هذا الإلفات لوحدة الربوبيّة والتدبير على نحو مكثّف ، يجول بالإنسان بما حوله من مشاهد الوجود وما يتخلّلها من نظام وترتيب متقن يحكى ربوبية ربّ واحد هو ربّ العالمين ولا أحد سواه ، فهو : الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَالَّذِى نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ * وَالَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ « 1 » . ثمّ يعيد عليهم الكرّة أخرى : وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ * أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ « 2 » . من مظاهر السلوك الوثني أنّه يجمع بين توحيد الخالقية واتجاهه إلى بعض الموجودات بالخضوع والعبادة وإيكال حقّ التدبير إليها من دون ربّ العالمين : وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ * وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ * فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ « 3 » . على أنّ هناك عدداً كبيراً من آيات القرآن قد تحدّث عن شرك الوثنيّين في مرحلة التدبير والعبادة ، منها ما جرى بين إبراهيم الخليل عليه السلام وقومه ، على ما يحكيه القرآن ، بقوله : وَكَذلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هذَا رَبِّى فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هذَا رَبِّى فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ
--> ( 1 ) الزخرف : 12 10 . ( 2 ) الزخرف : 16 15 . ( 3 ) الزخرف : 89 86 .