السيد كمال الحيدري

30

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

بعد أن يشير الطباطبائي إلى أصحاب هذه النظرية يلخّص رؤيتها باللغة العلمية كما يلي : « وهذا بحسب اللسان العلمي هو أنّ الوجود الممكن إنّما يحتاج إلى الواجب في حدوثه لا في بقائه . وهو الذي يصرّ عليه جمٌّ غفير من أهل الكلام حتّى صرّح بعضهم أنّه لو جاز العدم على الواجب لم يضرّ عدمه وجود العالم ، تعالى الله وتقدّس » « 1 » . يشبّه هؤلاء وضع العالم في علاقته مع الله سبحانه بوضع البناء في حاجته إلى البنّاء ، والكتاب في حاجته إلى المؤلِّف . فالبناء لا يحتاج إلى البنّاء بعد الانتهاء ، كما لا يحتاج الكتاب إلى المؤلِّف بعد تأليفه ، بل هما باقيان على حالهما سواء أَبَقى البنّاء والمؤلّف أم غابا ، والله سبحانه خلق العالم وزوّده بمجموعة من القوانين والأنظمة ، ثمّ اعتزله . وبذلك صرّح بعض المتكلِّمين من متبنّى هذه النظرية : أنّه لو جاز على الواجب العدم لما ضرّ عدمه وجود العالم ، لأنّه يحتاج إليه حدوثاً لا بقاءً ! بتبنّى هؤلاء لنظرية الأسباب والمسبّبات ، وأنّ السبب هو الفاعل المستقلّ في إيجاد المسبَّب ، ضيّقوا من قوله سبحانه : اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ « 2 » وأنزلوه من ظاهر عمومه من دون مخصّص . المناقشة 1 تتعارض هذه النظرية مع ظواهر الآيات القرآنية ، فكما أنّ هناك طائفة من الآيات أثبتت تأثيراً للأسباب الطبيعيّة ، فإنّ هناك طائفة أخرى تنتهى إلى نسبة الخلق إلى الله سبحانه مطلقاً : ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ « 3 » ، وهذا

--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، ج 7 ، ص 299 . ( 2 ) الزمر : 62 . ( 3 ) المؤمن : 62 .