السيد كمال الحيدري
31
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
الأثر الذي يصدر من الأسباب الطبيعيّة شئ لا ينبغي رفع اليد عنه ومن ثمّ لا يجوز التخصيص دون مخصّص إلّا إذا قام الدليل العقلي أو الشرعي على استحالة الشمول فعندئذ يتمّ تقييد الإطلاق ، أمّا مع إمكان الجمع بين الإطلاق وبين الإيمان بتأثير الأسباب الطبيعيّة فلا مجال للمصير إلى هذا . 2 يلزم من هذه النظرية عدد من الإشكالات العقلية ، منها انقلاب الفقير إلى غنىّ ، والممكن إلى واجب . فوفق منطقها أنّه لو جاز عدم الواجب لما ضرَّ عدمه وجود العالم ، لأنّه غنىّ عن العلّة في بقائه ، وإذا صار كذلك فهو غنىّ ، فيلزم انقلاب المحتاج إلى غنىّ ، والممكن إلى واجب . وهذا محال عقلًا . 3 يمكن أن يُستَشفّ من ظواهر بعض الآيات دوام الفيض الإلهى في كلّ آنٍ آن ، وعدم انقطاعه عن الوجود ، أي حاجة الوجود إليه حدوثاً وبقاءً . من ذلك قول الله سبحانه : يَسْأَلُهُ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ « 1 » إذ ليس في الآية الكريمةما يدلّ على أنّ هذا السؤال حدوثىّ وحسب ، بل هو حدوثىّ وبقائىّ ، بمعنى أنّه يوجد سؤال في كلّ آنٍ آن ، ويوجد في مقابله جواب وعطاء وإفاضة في كلّ آنٍ آن أيضاً . كذلك يمكن الاستئناس بقوله سبحانه : كُلًّا نُمِدُّ هؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً « 2 » إذ فيه إشارة إلى أنّ الأشياء تستفيض وجودها منه سبحانه في أوّل حدوثها وفى حال بقائها وحياتها « فلا يزال الشئ موجوداً ما يفيض عليه الوجود ، وإذا انقطع عنه الفيض انمحى رسمه عن لوح الوجود » « 3 » . من الآيات التي تتحرّك في اتجاه معارض للنظرية قوله سبحانه : اللَّهُ لَا
--> ( 1 ) الرحمن : 29 . ( 2 ) الإسراء : 20 . ( 3 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، ج 7 ، ص 300 .