السيد كمال الحيدري
292
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
الأطروحة الأولى : عدم التفكيك تتمثّل هذه الأطروحة بالصميم بعدم إمكان التفكيك بين عالم المادّة وبين التضادّ والتزاحم ، فما دام هناك عالم مادّى فلابدّ له من أن يتّسم بالتضادّ والتزاحم . توضيح ذلك : أنّ العالم المادّى ينطوى بالضرورة على الحركة وقابلية التكامل ، فهو فاقد لشئ ثمّ يكون واجداً له ، وهذا هو معنى التكامل والحركة ؛ خروج الشئ من القوّة إلى الفعل ، ومن النقص إلى الكمال . حيث يكون العالم الذي نعيش فيه هو عالم التكامل ، فلا معنى للتصوّر أنّ كلّ شئ فيه ينبغي أن يكون على ما هو عليه . كلّا ، بل مقتضى مادّيته أن يتحرّك صوب التكامل ، ومعنى التكامل أن يخرج من نقص إلى كمال ، ومن قوّة إلى فعل ، ومن فقدان إلى وجدان . إذا كان الأمر كذلك فمن الطبيعي أن تتزاحم الموجودات فيما بينها ، فهذه تريد أن تصل إلى كمالها وتلك تريد الغاية ذاتها ، حينئذ يقع التزاحم بينها . وبذلك يكون التزاحم والتضادّ من لوازم عالم المادّة وضروراته ، تماماً كالزوجية بالنسبة إلى الأربعة والفردية إلى الخمسة ، فهل يمكن تصوّر الأربعة ولا تكون زوجاً أو الخمسة ولا تكون فرداً ؟ كذلك حال عالم المادّة ، عالم التكامل والحركة ، وعالم الخروج من القوّة إلى الفعل ومن الفقدان إلى الوجدان ومن النقص إلى الكمال ؛ عالم كهذا لا يمكن أن يكون خالياً من التزاحم والتضادّ . على هذا لا مناص من أن نلتزم بوجود النقائص ونحو ذلك إذا ما أذعنّا بوجود هذا العالم ، أو أن لا يوجد العالم أساساً إذا ما كان المطلوب أن تنتفى فيه الشرور النسبية والقياسيّة . وإلّا فلا يمكن التفكيك بين العالم وبين النقائص والأمور العدمية المتمثِّلة بالشرور النسبيّة والقياسيّة . نحن إذن بين خيارين لا ثالث لهما ؛ إمّا أن نلتزم بعدم وجود هذا العالم حتّى لا تتحقّق فيه الشرور ، وإمّا أن نلتزم بوجوده ونقبل ما يترتّب على ذلك بالضرورة . إلى هذه الثنائية يشير أحد ألمع شرّاح النصّ الفلسفي المعاصر ، بقوله : من الطبيعي أن يقترن الوجود