السيد كمال الحيدري

291

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

الشرور ذاتها . ممّن عمد إلى صياغة الإشكالية في ثوبها الجديد من المعاصرين الشيخ مطهّرى ، بقوله : « يمكن تقرير الشبهة على النحو التالي : حتّى مع الإذعان إلى أنّ الشرور ناشئة عن الأعدام ، لكن لماذا لم يخلق العالم على نحو تأخذ فيه الوجودات مكانها بدلًا من الأعدام ، والكمالات بدلًا من الفقدانات ؟ لا يدور الإشكال حول سبب خلق الشرور ، وإنّما يحوم حول السبب الذي منع من أن يُملأ الفراغ الحاصل من الأعدام بخلق الخيرات ؟ » « 1 » . كما صاغ الإشكالية ذاتها باحث آخر ، بالطريقة التالية : « لماذا خُلق العالم بشكل تكون فيه كلّ هذه الشرور والنقائص ؟ » كذلك قوله : « لماذا لم يُخلق العالم بشكل تحلّ فيه الوجودات محلّ هذه الأعدام ؟ » « 2 » . من الواضح أنّ الأطروحة الأفلاطونية لا تفي بالجواب على الصياغة الجديدة التي اكتسبتها الإشكالية ، لأنّ المشكلة هنا لا تدور حول خلق الشرور حتّى يقال إنّها عدمية ، ومن ثمّ فهي غير مخلوقة ، وإنّما تكمن في الباعث إلى عدم خلق الخيرات بدلًا من هذه الشرور والأعدام . وبلغة المثال : لم لا تكون الحياة الدائمة بديلًا للموت ؟ والثروة والرفاه بديلين للفقر والعوز ؟ والقوّة بديلًا للضعف ؟ والصحّة بديلًا للمرض ؟ والجمال بديلًا للقبح ؟ واللذائذ والأفراح بديلات للمصائب والآلام ؟ وهكذا . أليس الله بقادر على كلّ شئ ، وهو الحكيم الذي يخلق الأشياء على أحسن وجه وأقومه ؟ لابدّ إذن من استئناف جواب جديد يتصدّى للشبهة . وهذا ما فعله الفكر الديني الذي استطاع أن يبلور على هذا الصعيد ثلاث أطروحات نمرّ عليها باختصار .

--> ( 1 ) أصول الفلسفة والمنهج الواقعي ، مصدر سابق ، ج 5 ، ص 48 . ( 2 ) المنهج الجديد في تعليم الفلسفة ، مصدر سابق ، ج 2 ، ص 490 .