السيد كمال الحيدري
290
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
تبقى ملاحظة أساسية ترتبط بخلفية أطروحة عدمية الشرور والتكييف النظري الذي تقترحه لمعالجة إشكاليةالموضوع . فما يشير إليه الباحثون بمختلف اتجاهاتهم أنّ بذور هذه الأطروحة تعود إلى أفلاطون ، ثمّ صار الآخرون إلى تشييدها والبناء عليها عبر مساهماتهم في مختلف العصور . من الشهادات الدالّة على ذلك ما ذكره مؤلِّف « صراط الحقّ » ، في قوله : « ما نقل عن أفلاطون من أنّ الشرّ عدمىّ ، والعدم لا يحتاج إلى علّة ، فالشرور الواقعة في العالم ، لا تقتضى فاعلًا حتّى يتكلّم فيه ، فبهذا يدفع جميع ما لزم الماديّين والثنوية » « 1 » . كذلك ما نسبه إلى مؤلّف « الميزان » ، في قوله : « نقل عن أفلاطون أنّ الشرّ عدم ، وقد بيّن ذلك بالأمثلة » « 2 » . في كلّ الأحوال لم تستطع الأطروحة الإفلاطونية أن تغلق النقاش نهائياً في مقولة الشرّ ، بل مضى العقل الإنسانى مسترسلًا في توليد أسئلة جديدة مشتقّة من صميم الإشكالية ذاتها . إعادة إنتاج الإشكالية انطلق العقل الإنسانى من زاوية جديدة يمكن القول أنّها ترتبط بالهندسة الوجودية للكون . فلماذا جعل الله سبحانه نظام عالم المادّة بنحو تتزاحم فيه هذه الوجودات بحيث ينتهى الحال إلى بروز هذه الشرور ، وإن كانت هذه الأخيرة شروراً نسبية وقياسيّة وليست شروراً نفسيّة ؟ ألم يكن بمقدور الله أن يصمّم عالم الإمكان على نحو بحيث لا تقع فيه حتّى هذهالشرور النسبية ؟ فالشبهة لم تنقطع بعد ، وما تزال الإشكالية قادرة على إعادة انتاج نفسها ، بإثارة أسئلة جديدة وتوليد معان أخرى منبثقة من مقولة
--> ( 1 ) صراط الحقّ ، ج 1 ، ص 166 . ( 2 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، ج 13 ، ص 187 .