السيد كمال الحيدري

289

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

يسانخها ، فكذلك الشرور هي أمور وجودية تحتاج إلى مبدأ يسانخها ، والحلّ الذي انتهت إليه هذه المذاهب هو الإيمان بخالقين أحدهما للخير والآخر للشرّ . لكن مع ثبوت عدمية الشرور انهارت نقطة الارتكاز التحتى لهذه الاتجاهات والمذاهب ، لأنّ ما هو عدمىّ لا يحتاج إلى مبدأ فاعلىّ أساساً ، من باب السالبة بانتفاء الموضوع . الحقيقة أنّ هذه الأطروحة لا تقتصر على تقويض البناء التحتى للمذاهب الثنوية ، وإنّما تمتدّ لضرب الأساس المنطقي الذي تتمسّك به الاتجاهات المادّية التي تتنكّر للمبدأ أيضاً ، إذ لا يبقى لها حجّة تتذرّع بها لتسويغ إنكارها بذريعة خلق الشرور ، وإن كان ذلك لم يمنعها من ولوج الموضوع من بُعد آخر ، على ما ستأتي إليه الإشارة عند الحديث عن مقولة الشرّ في الفكر الأوربى الحديث . إلى هذا المعطى يشير النصّ التالي : « من هنا يتّضح أنّ الفكر الثنوىّ لا يقوم على أساس صحيح ، لأنّ الأشياء والموجودات ليست في الواقع على صنفين : صنف الخيرات والأمور الحسنة وصنف الشرور والأمور السيّئة . كلّا ، فالسيّئات والشرور إمّا أنّها أعدام ، ومن ثمّ فهي لا تدخل في صنف الموجودات ، وإمّا أنّها موجودات بحيث لا تكون شرّاً من حيث إنّها موجودة ، بل هي خير ، وفاعلها ( خالقها ) هو فاعل الخير نفسه ، وإنّما تكون شرّاً لأنّها صارت منشأً للشرّ أو لعدم موجود آخر . بمعنى أنّ هذه الموجودات ( التي توصف بأنّها شرّ ) هي خير بحسب الوجود في نفسه ، وهى شرّ بحسب الوجود النسبي والقياسى . ومن البديهي أنّ الوجود النسبي والقياسى وجود بالعرض وليس وجوداً بالذات ، لذا فهو اعتبارىّ لا يحتاج إلى فاعل وجاعل » « 1 » .

--> ( 1 ) أصول فلسفه وروش رئاليسم ( أصول الفلسفة والمنهج الواقعي ) ، تأليف السيّد محمّد حسين الطباطبائي ، مقدّمة وشرح مرتضى مطهرى ، مركز النشر التابع للحوزة العلمية بقم ، بدون تأريخ ، ج 5 ، ص 49 بالفارسية .