السيد كمال الحيدري
288
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
أنّها أمور وجوديّة بالذات ، فليس للشرّ مصداق بالذات ، بل إذا كان له مصداق فهو مصداق بالعرض . وحين يكون الشرّ أمراً عدميّاً وليس بوجودىّ ، فمن الطبيعي أنّه لا يحتاج إلى العلّة ؛ لأنّ العدم لا يحتاج إلى علّة . يترتّب على الرؤية ذاتها أنّ الشرّ ليس مجعولًا بالذات وإنّما هو مجعول بالعرض . فالله سبحانه جعل « هذا الوجود » وجعل « ذاك الوجود » ، وجعل في هذا وذاك نظاماً يتزاحم فيه هذا الوجود وذاك ، وبالتزاحم يحصل الشرّ ، إذن فالشرّ مجعول بالعرض لا بالذات . لنتمعّن النصّ الفلسفي التالي : « من هنا يظهر أنّ الشرور داخلة في القضاء الإلهى بالقصد الثاني ، وإن شئت قلت بالعرض ، نظراً إلى أنّ الشرور أعدام لا يتعلّق بها قصد بالذات » « 1 » . من الواضح أنّ هذا النصّ الفلسفي المعاصر يقتفى آثار مدرسة عريقة يسجّل أحد رادتها قبل أربعة قرون موقفاً مماثلًا عن المسألة ذاتها ، يقول فيه : « فإذا تصفّحت عن جميع الأشياء الموجودة في هذا العالم المسمّاة عند الجمهور شروراً ، لم تجدها في أنفسها شروراً ، بل هي شرور بالعرض خيرات بالذات كما مرّ بيانه بالوجه القياسي » « 2 » . النتيجة : في ضوء المقدّمتين الآنفتين تتبلور الحصيلة الأخيرة للأطروحة الأولى التي بلورها الفكر الديني لمعالجة إشكالية الشرور مستفيداً من معطيات الفكر الفلسفي . تتمثّل خلاصة التكييف النظري في هذه الأطروحة بما أثبتته من أنّ الشرور ليست أموراً وجوديّة بل هي أمور عدمية ، وحين تكون عدمية فلا تحتاج إلى مبدأ فاعلى ، وبذلك تنهار النظرية الثنوية باتجاهاتها المختلفة بإسقاط المرتكزات التي تستند إليها . فالمنطق الذي تتبنّاه المذاهب الثنويّة يذهب لضرورة وجود مبدأين فاعلين في الكون ، فكما أنّ الخيرات أمور وجوديّة تحتاج إلى مبدأ
--> ( 1 ) نهاية الحكمة ، مصدر سابق ، ص 313 . ( 2 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، مصدر سابق ، ج 7 ، ص 62 .