السيد كمال الحيدري

271

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

الأديان الكتابية برز إلى جوار هذا التنظير الذي تختلط فيه تأثيرات الدين بالفكر الإنسانى ، تنظير آخر لفكرة الشرّ الكوني ولمسألة الشرور عامّة ينتسب إلى الأديان الكتابية الكبرى . تتكثّف فكرة الشرور في الديانة العبرية بالشيطان ، لكن دون وضوح كبير كالذي برز بعدئذ في الديانة المسيحية ثمّ في الإسلام ، بل حتّى دون أن يُذكر اسمه في المصادر القديمة لهذه الديانة ، وإنّما كان ذكره يجئ على الوصف لا على التسمية ، فيومأ إليه مرّة أنّه الخصم وأخرى أنّه المقاوم في الحرب ، إلّا ما جاء في الإصحاح الحادي والعشرين من سفر الأيّام ، أنّه : « وقف الشيطان ضدّ إسرائيل » . الشيطان في الوعي العبراني لم يكن منعزلًا عن الملائكة ولا محروماً من الدخول إلى حياض الحضرة الإلهية ، حتّى وهو يمارس دور الواشي الموغر للصدور في قصّة النبىّ أيّوب عليه السلام ، فكان يحضر بين يدي الله مع الملائكة « 1 » . لكن مع المسيحيّة اكتسب الشيطان الذي يرمز إلى الشرّ الكوني دور عامل فعّال ، وصارت له صورة واضحة وراسخة ، وذُكر باسم الشيطان ، واسم « روح الضعف » ، واسم الشرّير ، واسم رئيس هذا العالم ، واسم « بعلزبول » الذي قيل في معناه أنّه رئيس الشياطين . إبليس في الوعي الديني المسيحي الرمز الكبير للشرور ، وله سلطان على ممالك العالم ، لكن سلطانه وسيادته ليسا مفصولين عن إله الكون ، فهو مخلوق لربّ الأكوان ، لله ربّ العالمين ، ولا يملك ممارسة دوره إلّا بمشيئة الإله القادر على كلّ شئ ، بعكس ما كانت عليه الصورة في الثقافات البشرية التي تفصل في الخلق بين إلهين وسلطتين ، إله الخير الذي

--> ( 1 ) المصدر السابق ، ص 291 283 .