السيد كمال الحيدري
270
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
مختلفاً عمّا هو عليه في الحضارات الأخر . فقوّة الشرّ في الحضارات الشرقية مغضوب عليها لأنّها تضرّ وتفسد وتدسّ الغواية على الإنسان ، فتكون القيم الصالحة في جانب الآلهة ، والقيم الفاسدة والخبيثة في جانب قوّة الشرّ أو الشيطان وربّما بجانب آلهة الشرّ أو رموزه الألوهية . لكن الأمر يأخذ منحىً آخر في معايير اليونانيّين ، عندما يكتسب هذه الصورة الشوهاء كبير الأرباب « زيوس » الذي يبدو شهوان نهماً أكولًا شديد الطمع ، يفعل كلّ شئ في سبيل استبقاء سطوته وموارد خزانته ، وهو إلى ذلك مثال للشهوة المحرّمة والشذوذ الجنسي ونموذج للقوّة الجسدية الطاغية والحقد ، على عكس « برومثيوس » الذي ينصبّ عليه غضب « زيوس » وبقيّة الأرباب . فبرومثيوس الذي يفترض فيه أن يكون رمز الشرّ في مقابل كبير الأرباب ، هو المعلّم الذي هدى الإنسان إلى سرّ النار ، وألهمه السعي في طلب البقاء ، وبصّره بالمجهول من خفايا الكون الذي يعيش فيه « 1 » . هكذا استقرّت قضية الشرور في الحضارات القديمة على تصوّرات مختلفة ، وشهدت فكرة الشرّ الكوني تنامياً على هذا الخطّ ، فعند المصريّين الخير شريعة تستتبّ عليها الأمور ، والشرّ مروق من تلك الشريعة وإخلال بالنظام الذي استتب عليه . وعند الهنود الكون الظاهر كلّه باطل وزيف وشرّ ، ولا خير في غير الإعراض عنه والنفاذ إلى ما وراءه ، في حين غدا الشرّ في حضارة بين النهرين ( بابل / العراق ) مسألة فلكية ، صار فيها الخير والشرّ مقسومين بين السعود والنحوس كما سطّرت في أزياج الكواكب ودارت عليها الأفلاك . أمّا الحضارة اليونانية فالخير فيها مسألة حظّ ، والشرّ فيها مسألة اعتراض لذلك الحظّ الذي لا حيلة فيه للمحظوظ ولا للمعترض عليه « 2 » .
--> ( 1 ) المصدر السابق ، ص 276 267 . ( 2 ) إبليس ، مصدر سابق ، ص 281 280 .