السيد كمال الحيدري
269
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
لو تركنا الهند إلى حضارة بين النهرين سنلحظ أنّ هذه الحضارة ربطت حركة الخير والشرّ بالكواكب ، وعلّقت مصائر الناس وأقدارهم بسعودها ونحوسها ، فلا يسعد إنسان بنعمة السماء ولا يشقى بغضبها إلّا وهو في الحالتين عرضة للقضاء المسطور في أزياج النجوم . فلا همّ للبابلى في سرّه وعلانيته إلّا أن يستطلع إرادة النجوم وموافقة هواها لكي ينجو من النحس والشرّ ويصير في عداد السعادة والخير . على هذا مضى صراع الخير والشرّ بين الأرباب العلوية التي تمثّلها كواكب السماء وربّة الأرض « تيامات » التي تتحدّى السماء ، وتحلّق في جوفها الحيّات والحيتان لتوطيد سلطانها « 1 » . لقد كان للحضارة المجوسيّة وثقافة فارس مساهمتها في قوّة الشرّ من خلال عقيدة الثنوية أو تنازع النور والظلام على سيادة الوجود . فالله في هذه الثقافة لا علاقة له بقوّة الشرّ ومظاهره كالنار والماء والظلام مثلًا لأنّ هذه مهلكات ولا ينبغي لله أن يخلق المهلكات . وعليه فالكون يحكمه إلهان أحدهما إله الملأ الأعلى وهو ربّ الخير والنور ، والآخر إله العالم الأسفل ، عالم الشرّ والظلام الذي شنّها حرباً لا تزال حتّى اليوم حامية الأوار ضدّ إله الخير ومظاهر الخير ، فمن عمل خيراً من الناس فهو خادم الإله الأعلى ، ومن عمل شرّاً منهم فهو خادم الإله الأسفل . هكذا يضحى الوجود في هذه العقيدة قسمة بين النور والظلام ، بين الإله الأعلى والإله الأسفل ، بين إله الخير والنور وإله الشرّ والظلام ، بين « أورمزد » الروح الطيّب و « أهرمان » الروح الخبيث « 2 » . تكتسب قوّة الشرّ من نظام الوجود وضعاً في الحضارة اليونانية يكاد يكون
--> ( 1 ) المصدر السابق ، ص 263 259 . ( 2 ) إبليس ، مصدر سابق ، ص 266 263 . أيضاً : ص 325 فما بعد .