السيد كمال الحيدري
260
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
يختم ابن عاشور مع الآية الكريمة ، مشيراً إلى أنّ قوله سبحانه : إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ الذي جاء عقب قوله : الَّذِى أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ فيه تذكير وتحذير ، يوضحه بقوله : « لأنّ إتقان الصنع أثر من آثار سعة العلم ، فالذي بعلمه أتقن كلّ شئ هو خبير بما يفعل الخلق ، فليحذروا أن يخالفوا عن أمره » « 1 » إذ لا يخفى ما في هذا الكلام من ربط بين العلم وإتقان الصنع ، وهو ممّا استندت إليه بعض وجوه الاستدلال العقلي . أمّا سيِّد قطب ( ت : 1966 م ) فيلامس الآية بأسلوبه الأدبي الرفيع ، ويقارب معناها بقوله : « سبحانه ! يتجلّى إتقان صنعته في كلّ شئ في هذا الوجود . فلا فلتة ولا مصادفة ، ولا ثغرة ولا نقص ، ولا تفاوت ولا نسيان . ويتدبّر المتدبِّر كلّ آثار الصنعة المعجزة فلا يعثر على خلّة واحدة متروكة بلا تقدير ولا حساب في الصغير والكبير ، والجليل والحقير . فكلّ شئ بتدبير وتقدير يدير الرؤوس التي تتابعه وتتملّاه » « 2 » . على أنّ الدليل القرآني على النظام الأحسن لا يقف عند حدود هذه الآية وحدها ، فعندما يطالعنا قوله سبحانه : الَّذِى أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ « 3 » ، ثمّ نضمّ إليه قوله سبحانه : اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ « 4 » ستكون النتيجة أنّ كلّ ما خلق الله ، وما صدق عليه أنّه مخلوق ، إنّما خُلق على أحسن وجه وأكثره إتقاناً وإحكاماً . والمسألة في هذا الاستدلال واضحة ، إذ
--> ( 1 ) التحرير والتنوير ، محمد الطاهر بن عاشور ، ط . مؤسّسة التاريخ ، ج 19 ص 318 . ( 2 ) في ظلال القرآن ، سيِّد قطب ، الطبعة السابعة ، دار إحياء التراث العربي ؛ بيروت ، 1391 ه 1971 م ، ج 6 ، ص 311 . ( 3 ) السجدة : 7 . ( 4 ) الزمر : 62 .