السيد كمال الحيدري

261

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

يؤلّف قوله تعالى : اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ مقدّمة ، وهى تنسجم مع التوحيد الأفعالى ؛ تُضمّ إليها مقدّمة ثانية متمثِّلة بقوله تعالى : الَّذِى أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ لتكون النتيجة أنّ كلّ ما خلقه الله في الذروة الرفيعة من الحسن والإتقان والإحكام . إلى هذه النقطة يومئ النصّ التالي للطباطبائى : « قوله تعالى : الَّذِى أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ ، قال الراغب : الحسن عبارة عن شئ مبهج بصيغة الفاعل مرغوب فيه » إلى أن يقول : « وحقيقته ملاءمة أجزاء الشئ بعضها لبعض والمجموع للغرض والغاية الخارجيّة منه ، فحسن الوجه تلاؤم أجزائه من العين والحاجب والأنف والفم وغيرها ، وحسن العدل ملاءمته للغرض من الاجتماع المدني وهو نيل كلّ ذي حقّ حقّه ، وهكذا . والتدبّر في خلقة الأشياء ، وكلّ منها في نفسه متلائم الأجزاء بعضها لبعض ، والمجموع من وجوده مجهّز بما يلائم كماله وسعادته تجهيزاً لا أتمّ ولا أكمل منه ، يعطى أنّ كلًّا منها حَسن في نفسه حُسناً لا أتمّ وأكمل منه بالنظر إلى نفسه » . ثمّ ينتهى بعد إيضاح : « وكيف كان ، فالشىء بما أنّه موجود مخلوق لا يتّصف بالمساءة ، ويدلّ عليه الآية : الَّذِى أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ إذا انضمّ إلى قوله : اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ « 1 » ، فينتجان ، أوّلًا : أنّ الخلقة تلازم الحسن ، فكلّ مخلوق حسن من حيث هو مخلوق » « 2 » ثمّ يعرض في النتيجة الثانية إلى تفسير ما هو سيّئ وقبيح ، ممّا ستأتي الإشارة إليها لاحقاً عند الحديث عن إشكالية الشرور . ثمّ مدخل آخر للدليل النقلي يمكن أن نعرضه من خلال معنى الحكمة . ففي البدء نلحظ أنّ هناك عشرات الآيات القرآنية التي وصفت الله سبحانه بالحكمة ، منها قوله : قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ

--> ( 1 ) الزمر : 62 . ( 2 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، ج 16 ، ص 249 .