السيد كمال الحيدري

259

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

بها البحث التفسيري على إثبات المطلوب ، كما فعل الآلوسي البغدادي ( ت : 1270 ه ) حين تعقيبه على الآية بقوله : « أي أتقن خلقه وسوّاه على ما تقتضيه الحكمة ، وحسنه ظاهر » « 1 » . إلى المعنى ذاته أشار الطبرسي ( من أعلام القرن السادس ) ، وهو يكتب عن الآية : « أي خلق كلّ شئ على وجه الإتقان والإحكام والاتساق . قال قتادة : أي أحَسنَ كلّ شئ خلقه . وقيل : الإتقان حسن في إيثاق » « 2 » . ممّن مكث مع الآية الكريمة يستشرف ما تكنزه من إيماءات دالّة على الإتقان الذي يضرب بشعابه في هذا الوجود الفسيح ، المفسِّر التونسي المعاصر الشيخ محمد الطاهر بن عاشور ( ت : 1970 م ) ، إذ سجّل بدءاً أنّ للآية وضعاً دقيقاً ، ولها معنىً بالتأمّل خليق ، لما تتضمّنه من دليل على دقيق صنع الله . فالسياق الذي تتحرّك به الآية « فيه استدعاء لأهل العلم والحكمة لتتوجّه أنظارهم إلى ما في هذا الكون من دقائق الحكمة وبديع الصنعة . وهذا من العلم الذي أودع في القرآن ليكون معجزة من الجانب العلمي يدركها أهل العلم ، كما كان معجزة للبلغاء من جانبه النظمى » . وما دام « الصنع » يطلق على العمل المتقن ، ففي الآية « تمجيد لهذا النظام العجيب ، إذ تتحرّك الأجسام العظيمة ( الجبال ) مسافات شاسعة والناس يحسبونها قارّة ثابتة وهى تتحرّك بهم ولا يشعرون » . على أنّ قوله سبحانه : الَّذِى أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ يقصد التعميم ، ومن‌ثمّ فليس قوله : وَتَرَى الْجِبَالَ إلّا حالة دالّة على النظام المتقن الذي يجرى في الوجود تكويناً وخلقاً واستدامة نظام ، دون أن ينحصر بها ذلك .

--> ( 1 ) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ، العلّامة الآلوسي البغدادي ، طبعة دار إحياء التراث العربي ، ج 20 ، ص 35 . ( 2 ) مجمع البيان في تفسير القرآن ، الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن الطبري ، منشورات دار مكتبة الحياة ، بيروت ، المجلّد الخامس ، ص 257 .