السيد كمال الحيدري

252

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

10 في ضوء ذلك كلّه انتهى البحث إلى أنّ انبساط القضاء والقدر في العالم ، وأنّ ما من قبض ولا بسط إلّا بقدر وقضاء ؛ معناه انبساط نظام السببيّة فيه . وأنّ معنى ما من شئ إلّا بقدر وقضاء إلهىّ هو أنّه ما من شئ إلّا وهو يتحرّك في نطاق سنّة إلهية وبقانون إلهىّ . 11 يترتّب على الإطار التفسيري النظري أنّ القدر والقضاء يوجبان الاختيار الإنسانى ويجعلانه ضروريّاً ، لا أنّهما يسلبان اختيار الإنسان وقدرته على الفعل ، ويحرمانه تأثير فعله في صنع مصيره كما توحى بذلك القراءات الخاطئة للمقولة . فالاختيار الإنسانى هو بنفسه جزء من أجزاء هذا العالم يسرى فيه القدر والقضاء ، وبالنتيجة هو مشمول بنظام السببية العام وبسنن الله ونواميسه . فعل الإنسان لا يقع خارجاً إلّا إذا اختاره الإنسان وأراده ، وعندئذ لا يتصادم هذا الفعل والإرادة والاختيار اللذان ينتجانه مع الإيمان بعقيدة القدر والقضاء ، لأنّه يندرج في إطار مبدأ السببية ونظام السنن . على أنّ إثبات فاعلية الإنسان من خلال الدور الذي تنهض به إرادته واختياره لا يتعارض مع الإرادة والمشيئة الإلهية ، لأنّ المشيئة الإلهية تتحرّك ضمن قانون القضاء والقدر . 12 لا يعنى الإيمان بأنّ نظام الخليقة والوجود محكوم بسنن وقوانين ضروريّة ، الانزلاق إلى التفويض ، وإلى تحويل مبدأ السببية والسنن إلى أصنام وآلهة تُعبد من دون الله ، كما تورّطت بذلك بعض تيّارات العقلانية الأوربية بعد عصر النهضة ومن تأثّر بها في بلاد المسلمين . فليست هذه القوانين والأنظمة والسنن والمبادئ تملك التأثير على نحو مستقلّ ، أو أنّها ضرورية في نفسها مستغنية عن الله ، أو أنّها تفرض حاكميّتها على الله سبحانه ، وإنّما هي ضرورية بما أفاده الله عليها من الضرورة واللزوم .