السيد كمال الحيدري

248

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

الأموي للقضاء والقدر وللجبر والاختيار ، إذ لم يستند هذا الطرح على أساس بحث علمىّ موضوعىّ كلامىّ أو فلسفىّ كما يقتضى الموضوع ، بل مثّل صراعاً سياسياً واجتماعياً تمسّكت فيه السلطة بالجبر والإرجاء والتفسير القدري في حين مال الاتجاه الآخر إلى رفض تفسير السلطة ونظرياتها . هكذا الحال مع موقف الدولة العبّاسية من خلق القرآن وتجاذب مواقف خلفائها بين الحنابلة ( الأشاعرة ) والمعتزلة ، إذ كان الصراع سياسياً في مضمونه يلجأ فيه كلّ طرف إلى الفكر ليختار بغيته وما يمكن أن يكون غطاءً لموقفه السياسي والاجتماعي . الكلام نفسه ينطبق على ما يُثار حاضراً من قضايا كثيرة منها التكثّرية الدينية والقراءات المتعدّدة للدين ، فهذه الدعوات وإن تدثّرت بطابع معرفى كلامىّ أو فلسفىّ أو علمىّ ( بالمعنى المعاصر للعلم الذي يعنى توظيفاً مكثّفاً للعلوم الإنسانية والألسنية في دراسة المسائل الدينية ) إلّا أنّها تعبّر في حقيقتها عن مواقع في التنميط الاجتماعي تتصارع فيما بينها لتؤكّد ذاتياتها وتعمّق قدرتها على إحداث التغيير ليس في النسق الاجتماعي وحده ، بل في السلطة السياسية أيضاً . بديهي لا يعنى ذلك عدم وجود الأساس المعرفى في القضايا التي تثار ، كما لا يعنى عدم إمكان البحث النظري أو عدم وجوده أساساً ، بقدر ما يعنى أنّ الفكر يتشابك مع الحياة ، والنظريات تتداخل مع منظومة السياسة والاجتماع والاقتصاد . وبقدر ما يتعلّق البحث بعقيدة القضاء والقدر ، فلا ينبغي أن نقول إنّ المسلمين في العصور الأولى غابوا عن الفهم الصحيح ؛ لنحصر المشكلة في البُعد المعرفى وحده ، لأن المشكلة أساساً ليست كذلك . فالسلطة بإمكاناتها الضخمة وأجهزتها وبمصالحها الواسعة هي التي غيّبت المحتوى الصحيح لهذا