السيد كمال الحيدري
247
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
ثمّ يتقدّم تحالف التبعية والمركز وهو يستخدم « الأجل والقضاء لتبرير الموت والتعمية على حوادث الطريق والفقر والاغتيالات وكلّ الشرور والآثام » متناسياً أنّ عدم الالتفات إلى الأسباب المباشرة للموت ، هو : « جهل بالأوضاع الاجتماعية وعدم حرمة لحياة الناس ، وتعمية وتغطية على حوادث الطرقات وأسلاك الكهرباء العارية والبالوعات المفتوحة والمنازل الآيلة للسقوط والبنايات الهشّة رغبةً في الربح وسرقة للأموال ، والأغذية الفاسدة والأمراض العضالة ، والقتل من أجل السرقة والفقر والجوع ، والحروب العدوانية » « 1 » . الأنكى من ذلك أن يطيب لبعض الدعاة الطيّبين والوعّاظ الساذجين تسعير هذه الآراء في استغلال الدين والمساهمة في تسويقها وتأجيج لهيبها عبر تغذيتها بسيل من المواعظ التي تمجّد الفقر وتزكّى القناعة والزهد وتمتدح الصبر وتعد الناس إن سكتوا بجنّة عرضها كعرض السماوات والأرضين ! أردتُ أن انتهى من حصيلة ذلك إلى نتيجة مهمّة على صعيد التعامل الفكري ، تفيد بأنّ عقيدة القضاء والقدر ليست إشكالية فكرية أو نظرية أو معرفية وحسب ، بحيث إذا درسناها وحلّلناها وأعدنا تفكيكها ثمّ بناءها في ضوء نظرية تفسيرية جديدة ، تتبخّر التبعات السلبية من أرضية الواقع . ولمّا لم تكن إشكالية معرفية صرفة فقد أتاحت كغيرها من عشرات المفردات الدينية بل الحالة الدينية برمّتها لنفوذ عناصر الاستغلال السياسي تبريراً لوضع السلطة وواقعها الاجتماعي والاقتصادى والثقافى . إنّ تفاقم الصراع السياسي والاجتماعي من حول الدين ومكوّناته يغيّب أغلب الأحيان الجذر النظري للقضايا المثارة ، ويحوّلها إلى مواقف سياسية لأطراف الصراع ، يجد كلّ طرف تبريراً نظرياً لموقفه السياسي بالاعتماد على هذه المفردة أو تلك . هذه الصورة كانت واضحة أشدّ الوضوح في الطرح
--> ( 1 ) من العقيدة إلى الثورة ، مصدر سابق ، ص 318 .