السيد كمال الحيدري

237

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

الأنظمة وقدر الغرب ، والمهمّ أن تعود لقدرها ، ويوم تعيش قدرها عندئذ فقط يقال إنّها تحيا في ظلّ قدر السماء . هذه حقيقة ينبغي أن يدركها الناقدون ويعوها جيّداً لكي يتحرّك النقد في إطاره الحقيقي دونما تضخيم ، وحتّى يكون بمقدوره أن يلامس مشكلات الواقع كما هي لا كما يتخيّلها الناقدون . 5 الملاحظة الأخيرة ترتبط بهذا التركيز الشديد الذي لاحظه القارئ في تفسير القضاء والقدر بالنظام العلّى ومبدأ السببية وبمجرى السنن والنواميس الكونية والحياتية . فقد جاء هذا التركيز لمواجهة نزعة لغوية عابثة في النظر لهذا المعتقد القرآني ، والمطلوب أن لا يؤسّس بدوره إلى نزعة معاكسة متطرّفة وخاطئة ، تحوّل النظام السببى والسنن والنواميس إلى أوثان جديدة تُعبد من دون الله ، فتعزل الخالق ( جلّ جلاله ) عن سلطانه ، وتنحدر إلى التفويض المطلق ، فتسلب الإنسان روح العبودية في هذه الممارسة . كلّا ، فمع أنّ القوانين العامّة ضرورية إلّا أنّ هذه الضرورة ليست من اقتضاء ذاتها بل بما أفاده الله سبحانه عليها من الضرورة والإلزام . وسعى الإنسان لاكتشاف السنن والاقتداء بالنواميس هو عمل عبودى يتمّ على عين الله وفى ظلّ توجيهه . فللقوانين والسنن طابع إلهي ، وهى كلمات الله ومظاهر قدرته وتجلّيات حكمته في النظام الأحسن ، ومن ثمّ فإنّ « الاستفادة من مختلف القوانين والسنن التي تتحكّم في هذه الساحات ، ليس انعزالًا عن الله سبحانه وتعالى ، لأنّ الله يمارس قدرته من خلال هذه السنن ، ولأنّ هذه السنن والقوانين هي إرادة الله ، وهى ممثّلة لحكمة الله وتدبيره في الكون » « 1 » . بتعبير آخر : « إنّ هذه السنن ليست خارجة ومن وراء قدرة الله سبحانه وتعالى ، وإنّما هي تعبير وتجسيد وتحقيق لقدرة الله ، فهي كلماته وهى سننه وإرادته وحكمته

--> ( 1 ) المدرسة القرآنية ، محمد باقر الصدر ، مصدر سابق ، ص 78 .