السيد كمال الحيدري

210

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

مظهر قدرته الإلهية ، فلنحمد الله ولنخضع لإرادته ! » « 1 » . يردّ على هذا الفهم المستخذى بإعطاء مضمون سببىّ للقضاء والقدر وتفسيره من ثمّ على أساس سننى ، فيقول : « قد ربط الله بين الأسباب ومسبّباتها خلقاً وقدراً بمشيئته وحكمته ، لنهتدى بالأسباب إلى مسبّباتها ، ونجتنبها باجتناب أسبابها » « 2 » . فإذا ما رامت الأمّة أن يكون الخلاص من الاستعمار والنجاة من التخلّف هو قدرها ، فلها ذلك بشرط أن تعرف أسبابه من خلال سنن الله المودعة في الحياة والكون ، وإذا قلعت عن هذه الأسباب وتنكّبت طريقها فسيكون قدرها هو الرضوخ للاستعمار والتخلّف ، وفى الحالين تكون الأمّة هي التي سلكت طريقها إلى قدرها ، ولم يفرضه عليها أحد قدراً محتّماً وقضاءً مبرماً لا مفرّ منه . ثمّ إنّ سنن الله وأسبابه لا تجامل ولا تحابى ، بل هي طوع من يطلبها ويجهد في اكتشافها والعمل بها كائناً من كان مسلماً أم غير مسلم : « إنّ أسباب الحياة والعمران والتقدّم فيها مبذولة للخلق على السواء ، وأنّ من تمسّك بسبب بلغ بإذن الله إلى مسبّبه ، سواء أكان برّاً أم فاجراً ، مؤمناً أم كافراً » « 3 » . فالمسلمون حين أخذوا بأسباب العمران كما يأمرهم دينهم سادوا وارتفعوا ، وحين أهملوها تأخّروا وانحطّوا ، وقد اختطّوا قدرهم في الحالتين باختيارهم وصنيعهم ، لا بأمر فُرض عليهم من فوق . على أنّ الأروع من ذلك كلّه هي القاعدة العامّة التي ينتهى إليها ابن باديس في هذا المضمار ، وهو يحثّ المسلم أن يعلم « أنّه ما تأخّر بسبب إسلامه وأنّ

--> ( 1 ) النصّ عن : تيّارات في الفكر الإسلامي ، محمّد عمارة ، ص 308 . ( 2 ) تفسير ابن باديس ، طبعة دار الكتب العلمية ، ص 126 . ( 3 ) تفسير ابن باديس ، طبعة دار الكتاب الجزائري ، 1964 ، ص 78 ؛ نظرية التراث ، د . فهمي جدعان ، دار الشروق ، عمّان ، 1985 ، ص 69 68 .