السيد كمال الحيدري

211

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

غيره ما تقدّم بعدم إسلامه ، وأنّ السبب في التقدّم والتأخّر هو التمسّك والترك للأسباب » « 1 » . كاشف الغطاء في سماء العراق بزغ نجم الفقيه المستنير والمفكِّر الكبير الشيخ محمّد حسين آل كاشف الغطاء ( 1954 1877 م ) أوائل القرن الماضي كرمز من رموز الإحياء الإسلامي في المنطقة ، وكغيره من رموز الإحياء في العالم الإسلامي كان لابدّ أن يلي قضية نهضة المسلمين الاهتمام الذي تستحقّه ، بحثاً في أسباب التخلّف واستقصاء لدواعي التقدّم والنهوض بمعناه الحضارى الشامل الذي يتجاوز البُعد العلمي والتقنى دون أن يلغيه . وهذا ما نهض به على أحسن وجه في العديد من كتاباته ونشاطاته التي استغرقت جلّ حياته « 2 » .

--> ( 1 ) المصدر السابق . كما من الحرىّ أن ينظر في مفصّلات أفكار ابن باديس : ابن باديس وعروبة الجزائر ، محمّد الميلى ، دار العودة دار الثقافة ، بيروت ، 1973 . ( 2 ) يتّسم فكر كاشف الغطاء الإحيائى بالثراء والخصوبة الباذخين وبالتوغل عمقاً . بمقدور كلّ إنسان أن يتأكّد بنفسه من هذه الملاحظة ويعيش مع كاشف الغطاء هذه الأبعاد جميعاً من خلال نموذج فذّ من فكره الإحيائى العظيم النافذ الذي يتجلّى بوضوح في كتابه « المُثل العليا في الإسلام لا في بحمدون » وهو رسالة جوابية بعث بها منتصف الخمسينيات ردّاً على دعوة جمعية أمريكية لعقد ندوة لمناهضة الشيوعية . فهذا الكتاب لا يزال وثيقة تنبض بالجدّة والحيوية والغيرة على كرامة الشعوب والبلاد العربية والإسلامية والحميّة لدين الله ، وتومئ إلى فاعلية فكر كاشف الغطاء ورؤاه التي تسبر الأعماق رغم مرور أكثر من خمسين عاماً على صدوره . يردّ على التحريض الأمريكى ضدّ الاتحاد السوفياتى والشيوعية دون أن يبرئهما بقوله : « أليست هذه الإضرابات والاضطرابات التي تُراق فيها دماء أهل الوطن الواحد والملّة الواحدة في طهران وسوريا ومصر ولبنان ؛ أليست كلّها من أصابعكم الخفيّة التي تلعب ليلًا ونهاراً من وراء الستار ؟ ألستم أنتم الذين تصبّون البلاء والمحن وتريقون دماء الأبرياء في الشرق والغرب ؟ فتونس ومراكش والجزائر تصطلى في المغرب بناركم ، وكوريا والهند الصينية وكينيا تضطرم في الشرق بأواركم ؟ » . ثمّ يقترح على أمريكا والغرب طريقاً أجدى لدرء خطر الشيوعية ، إذا كان هذا الخطر هو فعلًا ممّا يقلق الغرب على سلامة العالم الإسلامي ، يوضحّه بقوله : « لا يندفع خطر الشيوعية إلّا بتحقيق حرّية الشعوب والعدالة الاجتماعية وقلع جذور الظلم والعدوان وقمع رذيلة الحرص والشره على حقّ الغير والتجاوز عليه ، فهل أنتم يا معاشر الأمريكان ويا حكومة الولايات المتّحدة ، ويا دولة الانكليز ؛ هل أنتم واجدون تلك الصفات ؟ ! » . اليوم إذ يتآكل الوعي الأممى الذي يتجاوز هموم القطر والإقليم ، إسلاميّاً كان أم قوميّاً عربيّاً ، وينام كلّ قطر على ذاته فرحاً بمكاسبه حين يربح وحزيناً بما فاته حين يخسر ، ما أحوجنا لروح كاشف الغطاء التي تنبض بهموم العالم العربي والإسلامى / / برمّته ، وهو يسجّل نصّاً : « فما قصدنا إلّا الخير ولا أردنا إلّا المجد والمنعة والعلوّ والرفعة والنصيحة الخالصة ، لا لبلادنا العراق وحسب ، بل لما هو أوسع من سائر أوطاننا العربية المجاورات لنا العزيزات علينا كالأردن والكويت والمملكة السعودية ، وما إليها من لبنان وسوريا ومصر واليمن ، بل وما بعدت المسافات بيننا وبينهنّ وهى منّا ونحن منها ديناً ولغةً وأخلاقاً وأعراقاً ومحنة كتونس ومراكش وليبيا ، بل وعامّة الممالك الإسلامية التي تشاركنا في الدين كما تشاركنا في الابتلاء كإيران والأفغان والباكستان واندونيسيا » . ينظر : المثل العليا في الإسلام لا في بحمدون ، لسماحة الإمام الأكبر محمّد الحسين آل كاشف الغطاء ، طبعة منظّمة الإعلام الإسلامي ، طهران ، 1403 ه ، ص 16 ، 17 ، 79 ، حيث انتهى من تأليف هذه الرسالة قبل أقلّ من ثلاثة أشهر من وفاته رحمه الله .