السيد كمال الحيدري

201

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

لاتصدّق » « 1 » بحسب نصّ تعبيره ! مهما تكن الأسباب التي تكمن وراء هذه الظاهرة « 2 » ، فإنّ مسوّغها النظري عندي يعود إلى الجمود المنهجي . فقد برزت في الفكر العربي المعاصر خلال العقود الأخيرة اتجاهات ترمى إلى الإعلاء من شأن المنهج حدّ التصنيم ، فما هو المهمّ في أعمال هذا النمط من الباحثين ليس المحتوى النظري والفكري وإنّما الإطار المنهجي الذي يؤطِّر الفكر . فجهود هؤلاء لا تنصبّ على الواقع من أجل التواصل معه ومعالجة قضاياه ومشكلاته ، بل هي معلّقة بإصابة قدر من الإبداع المنهجي . وهذا ما يفسّر عقم هذه الأعمال أو ضعف فاعليّتها على أقلّ تقدير في التعامل مع الواقع وفى إحداث التغيير فيه . هذه الطريقة في التعامل مع المنهج تحنّط العقل وتفرض عليه حلقة مغلقة ، إذ لن يكون من همّ الباحث مماشاة الفكرة في سيرها الطبيعي ومتابعتها من خلال واقعها الموضوعي ، وإنّما مبتغاه أن يجتزئ ويختزل وينتقى لكي يملأ إطاره المنهجي ، والفكر والواقع إنّما يكسبان أهمّيتهما في هكذا أعمال بقدر ما

--> ( 1 ) تكوين العقل العربي ، محمد عابد الجابري ، ص 45 . ( 2 ) يأخذ ناقدو الجابري عليه تحامله على ابن سينا واتّهامه بالغنوص واللاعقلانية ، بيدَ أنّ الناقد اللبناني على حرب يذهب إلى أنّ تحامل الجابري على ابن سينا ودفاعه عن ابن رشد لا يعود إلى أنّ الأوّل غير عقلانى والثاني عقلانى ، بل تمّ « بدافع عصبوى غير عقلانى ، أي لأنّ ابن رشد عربى وابن سينا غير عربى » . على أساس هذه اللفتة وانطلاقاً منها يفسّر على حرب تقلّبات الجابري وما صدر منه مع مطلع التسعينيات ، متوقّعاً له المزيد ، في قوله : « ومع ذلك لا ننسى أنّ الجابري لاعب ماهر قادر على / / تغيير المواقف وإعادة بنائها . ولهذا فلا يستبعدن أحد أن يغيّر موقفه من عقل الفرس الذي يستبعده الآن من دائرة العقل ، وأن يذهب يوماً إلى بلاد العجم لكي يحاضر بين أهلها » . ينظر : نقد النصّ ، سلسلة النص والحقيقة ( 1 ) ، على حرب ، المركز الثقافي العربي ، ط 2 ، المغرب / لبنان ، 1995 ، ص 123 122 .