السيد كمال الحيدري
202
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
يوفّران من مصاديق وشواهد على صحّة الإطار المنهجي وليس العكس . ولكن في اللحظة التي خرج فيها الجابري من إطاره المنهجي المغلق في دراسة العقل العربي وتنميطه وتحرّر من قبضة قوالبه المنهجية الأخرى ، استطاع أن يرى الأمور على مدىً أرحب ، خاصّة بعد أن انفتح على الواقع بعيداً عن هذه الأطر والقوالب عقب صدمة حرب الخليج الثانية وما لحق المنطقة من تدمير للعراق ونهب ثروات بلدانها تحت ستار حرب تحرير الكويت « 1 » . التحرّر من حصار المقولات والأطر المنهجية الجاهزة والانفتاح على الواقع هما اللّذان أهّبا الجابري لكي يتحدّث عن « آيديولوجية المركزية الأوربية » وعن مهمّة الاستشراق في « إقصاء الشرق وبناء الغرب » وعن الصورة النمطية المشوّهة التي تُصنع للإسلام وللعرب والمسلمين في الغرب « 2 » ، في نطاق الحقائق والمعطيات المشهودة للجميع بعيداً عن الوثنيات المنهجية وأطرها المغلقة . في ضوء هذه الجولة التي وفّرتها لنا الصفحات السابقة مع عيّنات منتخبة ممّا أفرزته تيّارات الفكر الاجتماعي العام بمنطلقاته المختلفة ، يتبيّن سقم النقد الموجّه لمجتمعات المسلمين وهشاشة الأحكام الصادرة ضدّها ، خاصّة فيما
--> ( 1 ) يسجّل على حرب « أنّ الجابري بعد حرب الخليج هو غيره قبلها » إذ أخضع نفسه وفكره إلى ضرب من النقد الذاتي بلغ حدّ الانقلاب على النفس على حدّ وصفه . ينظر : نقد النصّ ، المصدر السابق ، ص 124 . ( 2 ) تناول الجابري هذه العناوين بطريقة مختلفة تماماً في كتاباته المتأخّرة ، غارقة بالكامل بما كان يسمّيه استخفافاً بالنزعة الآيديولوجية التي وجد نفسه في معمعتها بعد أن تحرّر عقله من التحنيط المنهجي وانفتح على الواقع ، فصار يرى الأمور من خلال حقائقها وليس من خلال ما يمليه القالب المنهجي من انتقائية ، ومن ثمّ تزوير للواقع وتشويه للفكر . ينظر : مسألة الهوية ، محمّد عابد الجابري ، بالأخصّ القسمين الثاني والثالث من الكتاب .