السيد كمال الحيدري

198

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

إفريقيا جوبه بنوع الحلقة الحديدية التي تسجن رأس المؤمن ، جاعلة إيّاه مغلقاً تماماً عن استيعاب العلم ، وغير قادر على أن ينفتح على أىّ شئ جديد » . في المقابل : « إنّ الروح الآرية هي التي خلقت كلّ شئ . . . وإنّ الشعوب السامية ليس لديها شئ . . . وبالتالي فإنّ مستقبل البشرية تحتضنه أيدي الشعوب الأوربية » « 1 » . يخطئ من يتوهّم أنّ هذه النزعة قد اختفت في أوروبا والغرب ، ومن لا يراها يكون كمن يدسّ رأسه في التراب ، فالغرب الآن يفرض بكلّ قواه نسقاً حضاريّاً واحداً وزمناً عالميّاً للجميع تمثّله العقلانية الغربية ، وعلى الجميع أن يندرج بها . بل تكشف تحوّلات العقدين الأخيرين حماساً أوربياً غربياً لآيديولوجية التمركز الأوربى الغربى وضرب كلّ من تسوّل له نفسه الخروج عن هذا الإطار بعنف عسكرىّ رهيب مصحوب بتدمير عاتٍ لكلّ ما يقع خارج هذا المدار . أطروحة الجابري ومن ينسج على منوالها تستحضر في خلفيتها كلّ هذا الموروث السلبي القائم على نزعة عرقية متعصّبة نازعة إلى إلغاء كلّ ما يقع خارج الذات الأوربية ، بل تلامس أحياناً مقولات عتاة هذا التيّار حتّى تكاد تكرّرها بحذافيرها ، فحين يقول رينان : « ليس لنا أن نلتمس عند العرق السامي أبحاثاً في الفلسفة ، فلم تكن الفلسفة عندهم سوى مجرّد اقتباس مجدب ومقلّد للفلسفة اليونانية » « 2 » تجىء عبارة الجابري التالية لتكون بمثابة رجع الصدى لها : « إنّ الفلسفة في الإسلام كانت عبارة عن قراءات مستقلّة لفلسفة أخرى هي

--> ( 1 ) الإسلام في الفكر الأوربى ، مصدر سابق ، ص 41 40 . ( 2 ) مسألة الهوية ، ص 130 . على أنّه يمكن أن ينظر هذا النصّ لرينان في سياقه الكامل ، من خلال : ابن رشد ، ارنست رينان ، نقله إلى العربية عادل زعيتر ، القاهرة ، 1957 .