السيد كمال الحيدري

199

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

الفلسفة اليونانية » « 1 » . هذه الخلفية في التمييز القطعي بين عرق سامىّ ذي عقلية قدرية مستسلمة وعرق آرىّ ذي عقلية سببية وثّابة مقتحمة ، التي تقبع في منهجية الجابري ، هي التي أثارت عليه غضب الناقدين ، حتّى عدّه أحدهم امتداداً لرينان وصنّف مشروعه في سياق ترسيخ « المركزية الأوربية » بكلّ ما لهذا المصطلح من حمولة ومدلولات خطيرة « 2 » ، إذ لاحظ طيّب تيزينى في إحدى نصوصه الناقدة أنّ عمل الجابري « قد اكتسب طابعاً سياسيّاً يكاد يكون عرقياً كلّ العرقية » وذلك بعد أن ولج الدائرة العرقية الفاسدة المتمثّلة ب « نزعة المركزية الأوربية ، التي تزعم أنّه يوجد فكر حضارى واحد هو الفكر الأوربى ؟ ! » « 3 » . الحقيقة أنّ محاولة الجابري تستحقّ أن تواجَه بهذا النقد وما هو أعنف منه ، ليس فقط لأخطائها العلمية الكبيرة ، ولأنّها لا تزيد عن كونها محاكاة للصوت الأوربى ، بل لخطورتها الفادحة والدواهى العظيمة التي تُلحقها بالواقع العربي والإسلامى ، من دون أن يعفى صاحبها أنّه قدّم عملًا مقروءاً استطاع أن يترك أصداء لا تنكر على مستوى الساحة الفكرية والثقافية خلال السنوات الأخيرة . مردّ ذلك أنّ تيّارات النقد الاجتماعي حتّى الماركسية ، بقيت تؤمن برغم كلّ المدى الذي بلغه نقدها ، بقدرة الإنسان الشرقي على فعل شئ وتعترف بإمكانيّته في تجاوز محنته وصنعه لقدره ، بعكس النزعة العرقية العصبوية التي تسعى إلى دقّ أسفين بين هذا الإنسان وقدرته على الحركة والنهضة والتقدّم

--> ( 1 ) نحن والتراث ، محمد عابد الجابري ، ص 31 . ( 2 ) ينظر : في السجال الفكري الراهن ، د . طيب تيزينى ، ص 124 103 إذ يتضمّن الكتاب مقالتين نقديتين لمشروع الجابري يحملان كلاهما عنواناً دالًّا على المطلوب ، حيث الأولى : من كسينوفان إلى محمّد عابد الجابري ، والثانية : من رينان إلى الجابري . ( 3 ) في السجال الفكري الراهن ، مصدر سابق ، ص 111 .