السيد كمال الحيدري
197
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
تحالف مع قَدَر السماء المحتوم ! صوب الخرافة والاستكانة والاستسلام ، بعكس الطبيعة الأوربية التي لا خوف فيها ولا رهبة ، بل بالعكس أوجدت في أهلها الميل إلى السيطرة على الطبيعة بدلًا من عبادتها . هكذا يرى منتسكيو أنّه « مِن قَدَر الشعوب الجنوبية أن تغزوها الشعوب الشمالية باستمرار ، وأنّ من الطبيعي أن يكون العبيد من الجنوب والسادة من الشمال » « 1 » ! . هذه النزعة العرقية اللاغية الوقحة تبرز عند عدد آخر من الدارسين الأوربيين منهم غرانت الذي يقرّر أنّ الجنس الشمالي هو وحده حامل الحضارة وأنّ ما ظهر من حضارات خارج أوروبا إنّما كان بفضل غزو شعوب الشمال . أمّا جوبينو فيسجّل صراحة بأنّ جميع مظاهر الحضارة والاختراعات العلمية والابتكارات الفنّية هي من عمل الجنس الآرى الأبيض ، في حين لم يبدأ التأريخ الصحيح للعالم مع شامبرلن إلّا مع الألمان « 2 » ! مع دارس أوربّى آخر تعبّر هذه النزعة عن نفسها بكثير من الصراحة الفاقعة ، إذ يقول كرومر : « الأوربى ذو محاكمة عقلية دقيقة ، وتقديره للحقائق خال من أىّ التباس ، وهو منطقي مطبوع رغم أنّه قد لا يكون درس المنطق . . . أمّا عقل الشرقي فهو على النقيض » « 3 » ! أمّا الفرنسي ارنست رينان ( ت : 1892 ) فقصّته معروفة ، وهو الذي يسجّل بإصرار عجيب بأن ليس للسامى والشرقي إلّا البساطة الهائلة التي يتّسم بها ، هذه البساطة « التي تقفل الدماغ البشرى في وجه أىّ فكرة بارعة ، وأىّ شعور رفيع ، وكلّ بحث عقلانى » « 4 » . وهو إلى ذلك صاحب الصيحة المشهورة في تعارض الإسلام والعلم : « كلّ من زار المشرق أو
--> ( 1 ) مسألة الهوية ، محمد عابد الجابري ، مصدر سابق ، ص 123 . ( 2 ) ينظر في هذه النزعات : مسألة الهوية ، مصدر سابق ، ص 118 فما بعد . ( 3 ) مسألة الهوية ، ص 130 . ( 4 ) الإسلام في الفكر الأوربى ، ص 40 . أيضاً : مسألة الهوية ، ص 130 .