السيد كمال الحيدري
194
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
ومسائل التقدّم العلمي بالعقلية الآسيوية ذاتها التي وصفها صاحبنا بأنّها عقلية رجعية جامدة وقدرية مستسلمة بعكس العقلية الأوروبية التي قال عنها إنّها ذات صفة ارتقائية وطابع سببىّ ! « 1 » . الأطروحة ذاتها المبنية على أساس نزعة عرقية عنصرية ترفع من شأن العقل الأوربى وتخفض من شأن العقل الشرقي بوصفه عقلًا قدريّاً ، برزت في أعمال ومشاريع عدد من مثقّفى لبنان ومصر . ففي مصر أطلّت الأطروحة عبر أفكار سلامة موسى « 2 » ( ت : 1958 ) ومشروع طه حسين ( ت : 1973 ) في وحدة الثقافة والحضارة المتوسّطية نسبة إلى البحر المتوسّط التي رام على أساسها أن يلحق مصر بالمركز الأوربى « 3 » ، تماماً كما تمنّى ذلك مثقّفو المارونية اللبنانية بالنسبة إلى لبنان . ثمّ ما لبثت الفكرة ذاتها وإن أطلّت مؤخّراً عبر أعمال المثقّف المغربي محمّد عابد الجابري ، الذي رام أن يقدّم لها أساساً علمياً ومعرفياً مكيناً تستقرّ عليه من خلال ثلاثيّته عن بنية العقل العربي . لقد تحدّث الجابري صراحة في هذه الثلاثية عن التمايز القطعي الكامل بين عقل يوناني وأوربى لاحقاً فلسفىّ بطبعه وعقل عربىّ بيانىّ بطبعه . يقول نصّاً : « فالعربى حيوان فصيح ، فبالفصاحة وليس بمجرّد العقل تحدّد ماهيّته » « 4 » ، على عكس اليوناني ثمّ
--> ( 1 ) عن : من التراث إلى الثورة ، ج 1 ، ص 376 . ( 2 ) للإطّلاع على أفكاره ، خاصّة فكرة إلحاق مصر بحضارة الإغريق والرومان والغرب / / لاحقاً : الإسلام بين التنوير والتزوير ، محمد عمارة ، دار الشروق ، القاهرة ، 1416 ه / 1995 ، الفصل الخاص بسلامة موسى ، ص 157 97 . ( 3 ) ينظر في تفاصيل هذه الأطروحة عند طه حسين : الإسلام بين التنوير والتزوير ، المصدر السابق ، الفصل الخاصّ بطه حسين المعنون : العقل اليوناني والحضارة المتوسّطية ، ص 158 فما بعد . ( 4 ) تكوين العقل العربي ، د . محمّد عابد الجابري ، دار الطليعة ، بيروت ، 1984 ، ص 75 .