السيد كمال الحيدري

189

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

تخلّفه إلى العقل الغيبي الذي يدخل الإيمان بالقضاء والقدر في طليعة مكوّناته ، آخذاً على هذا الإنسان إيمانه « بعالم الغيبيات والمنزلات والسماويات أو ما يعرف بالعقل الغيبي مع ملاحظة الاشتقاق اللغوي المفضى إلى الغباء « 1 » بكلّ ما يحمله من سلب وهروب وانغلاق وتعصّب » « 2 » ! لم يجد هذا الكاتب في الدين أي مأثرة ، ولم يلمس للتيّارات الدينيّة أي حسنة ؛ لأنّ « أقصى جاذبيتها تتبدّى في الأساطير والتحليق في رومانتيكية العقل الغيبي ، المضادّ والمعادى في ذات الوقت للعقل كهدف أخير للتأريخ » « 3 » ! مع نموذج آخر ، ربّما كان أقرب إلى ذاكرة الجميع نتيجة ما أثاره من ضجّة عند صدوره « 4 » ، نجد أنّ صاحبه تورّط هو الآخر بالتعميمات ، حين نزع عن

--> ( 1 ) لكي نتبيّن « عبقرية » هذا الكاتب ومدى ما يتحلّى به من أمانة وحرص على وعى القرّاء وعقولهم نكتفي بمراجعة سريعة للسان العرب ، لنجده يسجّل في مادّة « غيب » : / / « الغيب : كلّ ما غاب عنك . أبو إسحاق في قوله تعالى يؤمنون بالغيب ؛ أي يؤمنون بما غاب عنهم مما أخبرهم به النبي صلى الله عليه وآله من أمر البعث والجنّة والنار . وكلّ ما غاب عنهم مما أنبأهم به فهو غيب . وقال أبو الأعرابي : يؤمنون بالله ؛ قال : والغيب أيضاً ما غاب عن العيون وإن كان محصّلًا في القلوب » . إذن فلا علاقة بين الجذر اللغوي للغيب بالغباء ، فهما ينحدران من جذرين مختلفين ، إذ ينحدر الغيب من الجذر « غيَب » بينما ينحدر الغباء من الجذر « غبا » . ينظر : لسان العرب ، ج 10 ، مادّة غبا ، ص 16 ، في حين تأتى مادّة غيب التي تعدّ مصدراً اشتقاقيّاً للغيب في صفحة 151 ! ( 2 ) علمنة الدولة وعقلنة التراث العربي ، شوقى عبد الحكيم ، دار العودة ، بيروت ، 1979 ، ص 6 . ( 3 ) المصدر السابق ، ص 54 . ( 4 ) أقصد به : نقد الفكر الديني ، د . صادق جلال العظم ، ط 3 ، دار الطليعة ، بيروت ، 1972 .