السيد كمال الحيدري
190
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
الفكر الديني هكذا على نحو مطلق أي صفة علمية أو تحليلية خاصّاً ما أسماه الفكر العلمي وحده بهاتين الصفتين « 1 » . فمع ما تميّز به هذا النقد من قدرة على الغوص في الظاهرة الاجتماعية ، وتوغّل في العقلية الثاوية وراء هذه الظاهرة والفكر المنتج لها ، وبالرغم أيضاً من صحّة عدد غير قليل من ملاحظاته وتحليلاته ولاسيّما تذرّع الأنظمة السياسية في المنطقة بالدين أو بالأحرى ب « الخرافة الدينية » لتسويغ الهزيمة التي حلّت بها أبان حرب حزيران عام 1967 بخاصة تحليلاته النافذة لظاهرة ظهور العذراء وغير ذلك من الظواهر التي تفشّت في بلدان الأنظمة المهزومة بعد أن نضجت على نار الأجهزة الأمنية والدعائية السرّية « 2 » ، وعلى الرغم كذلك من نجاحه في مقاربة المشكلة
--> ( 1 ) يقصد بالفكر العلمي الفكر الماركسى ومنهجياته في التحليل الآيديولوجى والاجتماعي والتأريخى . ( 2 ) لقد سادت في مصر بعد الهزيمة ظاهرة من الهوس الديني تحت ذريعة ظهور السيّدة مريم ، روّجت لها السلطة ونالت عناية مباشرة من أجهزتها الأمنية والدعائية وذلك في إطار حملة جاءت تحت عنوان أنّ السماء لم تتخلّ عن النظام المهزوم ، كما جاء في عنوان صحيفة الأهرام : « ظهور العذراء بشير بأنّ الله سيكون في نصرتنا وأنّ السماء لم تتخلّ عنّا » ! كما أيضاً في بيان صحافىّ رسمىّ : « إنّ القدّيسين والشهداء يظهرون للمؤمنين في وقت الشدّة لمساندتهم وشدّ أزرهم . ولذلك جاءت العذراء لشدّ أزر الشعب المصري المؤمن المبارك بنصّ الكتاب المقدّس » ! كذلك : « بشير طيّب وعلامة سماوية بأنّ الله معنا ولم يتركنا . . وليشعر الكلّ بأنّ هذه الأزمة طارئة فقط وأنّ السماء ما زالت في نصرتنا » . لنقارن بين هذا الدجل الذي تمارسه السلطات باسم الدين ، ويجىء أمثال صادق العظم ليحسبه على الدين والفكر الديني ، وبين منطق الفكر الإسلامي الذي يسجّل فيه فقيه ومفكِّر من وزن محمّد باقر الصدر بأنّ النصر حقّ طبيعىّ للمسلمين وليس حقاً إلهيّاً ، ومن ثمّ فهو يقوم بشروطه الموضوعيّة التي إذا تحقّقت تحقّق ، وإلّا فهي الهزيمة .