السيد كمال الحيدري
181
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
نجد أنّ العلاقة بين الاثنين تتجاوز تخوم عدم التعارض ، إلى أن يتحوّل الإيمان بالقدر والقضاء إلى أساس لصيرورة الاختيار الإنسانى ضروريّاً ، لا أنّه يسلب الإنسان اختياره ؛ على ما هي عليه النظرة المألوفة الخاطئة ، لأنّ من قضاء الله وقدره أن يكون الإنسان مختاراً في أفعاله ، فلو صدر منه فعل من غير اختيار لكان ذلك منافياً للقدر والقضاء الإلهى . يعود المرتكز العلمي لهذه الفكرة إلى أنّ تأثير الإرادة الإلهية في الفعل الإنسانى يوجب أن يكون هذا الفعل اختياريّاً وإلّا تخلّف متعلّق الإرادة الإلهية ، كما ألمع الطباطبائي لذلك . وتصوّر التزاحم بين الإرادتين متهافت لا يقوم على أساس ، لأنّ الإرادة الإنسانية في طول الإرادة الربّانية وليست في عرضها لتتزاحما ويلزم من تأثير الإرادة الإلهية بطلان تأثير الإرادة الإنسانية . فتأثير إرادة الإنسان لا تبطل في الفعل لمحض تعلّق إرادة الله جل وعلا به ؛ انطلاقاً من التمييز الدقيق في طبيعة تعلّق هذه الإرادة بالفعل ، وأنّ ذلك يتمّ على نحو طولى متّسق ، لا على نحو عرْضى يفضى إلى التعارض والتقاطع . هكذا تثبت فاعلية الإنسان في إطار الإرادة الإلهية من دون إبطال للفعل الإنسانى ، الذي يتحرّك بدوره ضمن القدر والقضاء ؛ أي على وفق مبدأ السببية ونظام السنن ، ومن ثمّ هو لا يتعارض مع مبدأ : قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ « 1 » . على أنّ ذلك لا يعنى تقييداً في الإرادة والمشيئة الإلهية ، كما لا يعنى حدّاً من قدرته المطلقة جلّ وعلا ، فإرادته هي التي أبت أن تجرى الأمور إلّا على أسبابها ، وحكمته هي التي اقتضت أن يكون نظام الخليقة وعالم الوجود على هذا المنوال ، ومن ثمّ فإنّ ما يجرى هو تحقيق لإرادته ومشيئته ، دائر في نطاق قدرته جلّ وعلا . هذا المعنى الذي يفيد بأنّ القدر والقضاء الإلهيّين ليسا غير متعارضين مع
--> ( 1 ) الأعراف : 188 .