السيد كمال الحيدري

182

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

الاختيار الإنسانى فحسب ، بل يؤكّدانه ويجعلانه ضروريّاً حيث لا يعقل صدور فعل من الإنسان من غير اختياره ؛ هذا المعنى هو ما أومأت إليه النصوص الروائية وأكّدت نتائجه ومعطياته على نحو واضح ، لتعلو الأدلّة الإثباتية عليه من معطيات العقل والنقل معاً . نبدأ بالواقعة المشهورة في المجاميع الروائية ، فهذه المجاميع تحدّث أنّ رجلًا نهض للإمام أمير المؤمنين عليه السلام بعد منصرفه من واقعة « صفّين » فسأله عن القدر والقضاء ، فما كان من الإمام إلّا أن أجابه جواباً أودعه جميع هذه النقاط الدقيقة ، معرضاً بالتفسيرات الخاطئة والاتجاهات المنحرفة التي تبلورت من حول هذه العقيدة . نبقى مع نصّ الواقعة كما أوردها الصدوق ( ت : 381 ه ) في « التوحيد » ، قال : « دخل رجل من أهل العراق على أمير المؤمنين عليه السلام فقال : أخبرنا عن خروجنا إلى أهل الشام أبقضاء من الله وقدر ؟ فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : أجل يا شيخ ، فوالله ما علوتم تلعة ولا هبطتم بطن وادٍ إلّا بقضاء من الله وقدر . فقال الشيخ : عند الله أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين . فقال : مهلًا يا شيخ ، لعلّك تظنّ قضاءً حتماً وقدراً لازماً ! لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب ، والأمر والنهى والزجر ، ولسقط معنى الوعيد والوعد ، ولم يكن على مسئ لائمة ، ولا محسن محمدة ، ولكان المحسن أولى باللائمة من المذنب ، والمذنب أولى بالإحسان من المحسن ، تلك مقالة عبدة الأوثان وخصماء الرحمن وقدريّة هذه الأمّة ومجوسها » . ثمّ أردف الإمام عليه السلام موضحاً للشيخ : « يا شيخ ، إنّ الله عزّ وجلّ كلّف تخييراً ، ونهى تحذيراً ، وأعطى على القليل كثيراً ، ولم يُعصَ مغلوباً ، ولم يُطَع مكرهاً ، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلًا ، ذلك ظنّ الذين كفروا فويلٌ للذين كفروا من النار » « 1 » .

--> ( 1 ) التوحيد ، كتاب التوحيد ، باب القضاء والقدر ، ح 28 ، ص 381 380 .