السيد كمال الحيدري
165
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
التقاء ما تفيده النصوص الحديثيّة في معنى القدر والقضاء مع المدلول الاصطلاحي المستمدّ بدوره من المعنى اللغوي ، وبهذا يتطابق المدلول اللغوي والاصطلاحى والروائى للمقولتين ؛ ذلك أنّ جميع المعاني المارّة التي يدلّ عليها جذر « القدر » لا تخرج عن المعنى الحقيقي المتمثِّل في مبلغ الشئ ومقداره ، كما أنّ جميع المعاني التي تحدّث بها الأعلام في اللغة والكلام التي يدلّ عليها جذر « القضاء » لا تخرج هي الأخرى عن المعنى الحقيقي المتمثِّل في البتّ والإمضاء ، وهذا هو عين ما تفيده بل ما تصرّح به النصوص الروائية في الموردين ، كما هو الحال في النصوص أعلاه كمثال . 2 حرصت النصوص الحديثيّة على تقديم القدر على القضاء بعكس ما هو مألوف ومتداول على الألسنة وفى لغة الثقافة العامّة من تقديم القضاء . وإعادة ترتيب المقولة بالتقديم والتأخير واضح في ضوء ما مرّ ، بل ضروري . فحيث آمنّا بأنّ القدر هو تحديد الشئ وتبيين مقداره ومعالمه ، فذلك يدخل في المقدّمات ، وحينئذ لابدّ أن تكون المقدّمات التي تنتج الشئ متقدّمة عليه ، بينما القضاء بمثابة النتيجة التي تثمرها المقدّمات ، فلابدّ أن يجئ تالياً ومتأخّراً عن القدر . بعبارة أخرى إنّ القدر هو بمنزلة الأساس والبناء التحتى ، والقضاء هو بمنزلة البناء الذي يعلو على ذلك الأساس . وهذا ما تُصرّح به النصوص الروائية فيما تفيده من أنّ الشئ لا يمكن أن يقضى عليه أو يقضى الله به إلّا إذا تقدّمه تقدير وتحديد من الله سبحانه . وبه يتبيّن أنّ القدر أعمّ والقضاء أخصّ منه ، وهذه نتيجة بديهية سبق أن تحدّث عنها كثيرون ، منهم الراغب الذي كتب : « القضاء من الله تعالى أخصّ من القدر لأنّه الفصل بين التقدير . . . وقد ذكر بعض العلماء أنّ القدر بمنزلة المعدّ للكيل والقضاء بمنزلة الكيل » « 1 »
--> ( 1 ) المفردات في غريب القرآن ، مصدر سابق ، ص 407 406 .