السيد كمال الحيدري
166
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
ومن الطبيعي تقدّم المعدّ للكيل على الكيل نفسه ، وأن يكون ثمّة تلازم بين الاثنين . 3 من المعطيات الأخرى التي تفيدها النصوص الروائية ، أن لا انفكاك بين القدر والقضاء ، حيث دأبت تلك النصوص على قرن الاثنين . هذا المعطى الروائي يلتقى مع ما أكّدته البحوث اللغوية والاصطلاحية حول المقولة ، وربّما كان مناسباً العودة مجدّداً إلى ما ذكره صاحب « لسان العرب » من القول : « فالقضاء والقدر أمران متلازمان لا ينفكّ أحدهما عن الآخر ، لأنّ أحدهما بمنزلة الأساس وهو القدر ، والآخر بمنزلة البناء وهو القضاء ، فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه » « 1 » . 4 ثَمّ معطىً رابع يلوح من النصوص الروائية التي استعرضناها ، قد يحتاج التماسه إلى شئ من التدبّر . فعند الرجوع إلى الآيات والروايات نلحظ كثافة تركيزها على نظام السببية الذي ينبسط في نظام التكوين ويعمّ الوجود برمّته والإنسان والكون والحياة وكلّ عالم الممكنات . هذا النظام العامّ هو ممّا اقتضته الحكمة الإلهية وأرادت سريانه على مستوى الفواعل الطبيعية والاختيارية ، كما ينمّ عن ذلك الحديث الشريف : « أبى الله أن يُجرى الأشياء إلّا بأسباب ، فجعل لكلّ شئ سبباً ، وجعل لكلّ سبب شرحاً ، وجعل لكلّ شرح علماً ، وجعل لكلّ علم باباً ناطقاً » « 2 » . فكلّ شئ وكلّ معلول وحادث إذا ما أراد أن يوجد لابدّ أن يسبقه سبب خاصّ « 3 » ، ولابدّ أن يكون لذلك السبب تقدير وحدّ معيّن حتّى يبتّ بوجوده . في ضوء ذلك ليس القدر والقضاء الإلهيّين شيئين وراء قانون
--> ( 1 ) لسان العرب ، مصدر سابق ، ج 11 ، ص 209 . ( 2 ) الأصول من الكافي ، ج 1 ، كتاب الحجّة ، باب معرفة الإمام والردّ إليه ، ح 7 ، ص 183 . ( 3 ) استوفينا بحث هذه النقطة في المبحث السابق المعنون « التوحيد في الخالقية » أثناء مناقشة الاتجاه الأشعري وعموم النظرية الجبرية ، في طبيعة موقفها من الفواعل الطبيعية والاختيارية .