السيد كمال الحيدري

163

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

عندما ينتقل الطباطبائي إلى « القدر » يسير في الاتجاه ذاته منطلقاً إلى المدلول الاصطلاحي عبر المعنى اللغوي ومن خلاله . يقول : « أمّا القدر فهو ما يلحق الشئ من كمّية أو حدّ في صفاته وآثاره ، والتقدير تعيين ما يلحقه من الصفات والآثار تعييناً علمياً يتبعه العمل على حسب ما تسعه الأسباب والأدوات الموجودة . كما أنّ الخيّاط يقدّر ما يخيطه من اللباس على الثوب الذي بين يديه ثمّ يخيط على ما قدّر ، والبنّاء يقدّر ما يريده من البناء على القاعة من الأرض على حسب ما تسعه وتعين عليه الأسباب والأدوات الموجودة عنده ، ثمّ يبنى البناء على طبق ما قدّر لأسباب متجدّدة توجب عليه ذلك . فالتقدير بالنسبة إلى الشئ المقدّر ، كالقالب الذي يقلب به الشئ فيحدّ به الشئ بحدٍّ أو حدود لا يتعدّاها » « 1 » . الموقف الروائي ما هو موقف البحث الروائي ؟ أينتهى إلى النتيجة ذاتها التي انتهى إليها البحث اللغوي والاصطلاحى في تحديد المادّة الأصلية أو الجذر اللغوي للقدر والقضاء ليلتقى معهما على معنىً واحد أم هو محكوم برؤية أخرى ؟ نمرّ فيما يلي بجولة سريعة على بعض النصوص الروائية نتلمّس موقفها بهذا الشأن : عن الإمام موسى الكاظم عليه السلام أنّه قال ليونس مولى علي بن يقطين : « يا يونس لا تتكلّم بالقدر . قال : إنّى لا أتكلّم بالقدر ولكن أقول : لا يكون إلّا ما أراد الله وشاء وقضى وقدّر ، فقال : ليس هكذا أقول ، ولكن أقول : لا يكون إلّا ما شاء الله وأراد وقدّر وقضى . ثمّ قال : أتدري ما المشيّة ؟ فقال : لا . فقال : همّه بالشئ . أو تدرى ما أراد ؟ قال : لا . قال : إتمامه على المشيّة . فقال : أو تدرى ما قدّر ؟ قال : هو الهندسة « 2 » من الطول والعرض والبقاء . ثمّ قال : إنّ

--> ( 1 ) نهاية الحكمة ، مصدر سابق ، ص 294 . ( 2 ) يُذكر أنّ المادّة الأصلية لكلمة هندسة تعود إلى الكلمة الفارسية « اندازه » التي تعنى المقياس والكمّية والمقدار ، وترتبط بتقدير الشئ وبيان حدوده وكمّيته ، ثمّ خفّفت إلى « اندزه » لتتحوّل بعدئذ إلى « هندسة » ؛ وهى العلم الذي يعنى بالأبعاد والقياسات والأشكال .