السيد كمال الحيدري
162
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
وقوله : قَالَ رَبُّنَا الَّذِى أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ( طه : 50 ) » « 1 » . من الواضح أنّ ما انتهى إليه من أنّ قدر الشئ هو خصوصية خلقه غير الخارجة عنه ، يرجع إلى المعنى اللغوي كما بينّاه فيما سبق . مقاربة المعنى الاصطلاحي للقضاء والقدر بالمعنى اللغوي لا يقتصر عند الطباطبائي ( ت : 1403 ه ) على تفسيره « الميزان » وحده ، بل يتعدّاه إلى كتابه الدرسى المتداول في الحواضر العلمية « نهاية الحكمة » ، إذ ذكر في الفصل المخصّص للموضوع ما نصّه : « أمّا القضاء فهو بمفهومه المعروف جعل النسبة التي بين موضوع ومحموله ضرورية موجبة ، فقول القاضي مثلًا في قضائه ، فيما إذا تخاصم زيد وعمرو في مال أو حقّ ورفعا إليه الخصومة والنزاع وألقيا إليه حجّتهما : المال لزيد ، والحقّ لعمرو ، إثبات المالكية لزيد وإثبات الحقّ لعمرو إثباتاً ضروريّاً يرتفع به التزلزل والتردّد الذي أوجده التخاصم والنزاع قبل القضاء وفصل الخصومة » « 2 » . ما أخذه النصّ بنظر الاعتبار هو فصل الأمر أو البتّ فيه استمداداً من اللغة ، سواء في الجانب الاعتباري أو التكويني . ففي المعنى الاعتباري الفقهي يبرز فصل الأمر واضحاً في حكم القاضي وبتّه بالمسألة المتنازع عليها وفصله للنزاع . أمّا في الجانب التكويني فما يلحظ أنّ المعلول أو الموجودات الممكنة يكون مردّداً بين الوجود والعدم ، حتّى إذا ما وجدت جميع العلل والشرائط ، وارتفعت الموانع كافّة ، يكون المعلول ضروري الوجود ، وإن انتفت واحدة من تلك كان المعلول ضروري العدم . وضرورة وجوده أو ضرورة عدمه هي بعينها فصل أمره والبتّ فيه ، وهو ما يساوق المدلول اللغوي .
--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، ج 12 ، ص 144 . ( 2 ) نهاية الحكمة ، السيّد محمّد حسين الطباطبائي ، مؤسسة النشر الإسلامي ، ص 293 .