السيد كمال الحيدري
161
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
القضاء الإلهى ، على ما يوضحه صاحب « الميزان » بقوله الذي يأتي بعد تلك المقدّمات : « ولمّا كانت الحوادث في وجودها وتحقّقها مستندة إليه سبحانه وهى فعله ، جرى فيها الاعتباران بعينهما ، فهي ما لم يرد الله تحقّقها ولم يتمّ لها العلل والشرائط الموجبة لوجودها باقية على حال التردّد بين الوقوع واللاوقوع . فإذا شاء الله وقوعها وأراد تحقّقها فتمّ لها عللها وعامّة شرائطها ولم يبق لها إلّا أن توجد ، كان ذلك تعييناً منه تعالى وفصلًا لها من الجانب الآخر وقطعاً للإبهام ، ويسمّى قضاءً من الله » « 1 » . من الواضح أنّ هذا المعنى للقضاء يرجع إلى المعنىاللغوى وهو مستمدّ منه . المنحى نفسه نلمسه في بحث صاحب « الميزان » للقدر حيث يتاخم المعنى اللغوي المعنى الاصطلاحي . يقول انطلاقاً من التحديدات اللغوية : « وهذا القدر هو الذي بسببه يتعيّن الشئ ويتميّز من غيره ، ففي زيد مثلًا شئ به يتميّز من عمرو وغيره من أفراد الإنسان ، ويتميّز من الفرس والبقر والأرض والسماء ، ويجوز لنا به أن نقول : ليس هو بعمرو ولا بالفرس والبقر والأرض والسماء ، ولولا هذا الحدّ لكان هو هي وارتفع التمييز . وكذلك ما عنده من القوى والآثار والأعمال محدودة مقدّرة ، فليس إبصاره مثلًا إبصاراً مطلقاً في كلّ حال وفى كلّ زمان وفى كلّ مكان ولكلّ شئ وبكلّ عضو مثلًا ، بل إبصار في حال وزمان ومكان خاصّ ولشىء خاصّ وبعضو خاصّ وعلى شرائط خاصّة ، ولو كان إبصاراً مطلقاً لأحاط بكلّ إبصار خاصّ وكان الجميع له ، ونظيره الكلام في سائر ما يعود إليه من خصائص وجوده وتوابعه ، فافهم ذلك . ومن هنا يظهر أنّ القدَر خصوصية وجود الشئ وكيفية خلقته كما يستفاد أيضاً من قوله تعالى : الَّذِى خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِى قَدَّرَ فَهَدَى ( الأعلى : 3 2 )
--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، ج 13 ، ص 73 72 .