السيد كمال الحيدري

160

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

ووُجد المقتضى ، وإلّا فهي مردّدة بين أن تحترق وأن لا تحترق . فإذا ما وجدت النار ، وتحقّق الشرط المتمثّل بالتماس ، وارتفع المانع متمثِّلًا برطوبة الورقة وابتلالها ، فحينئذ يصير تحقّق الاحتراق أمراً ضروريّاً ، لتخرج من التردّد والابهام إلى طرف التحقّق الذي هو الاحتراق . هذان الاعتباران كما يجريان في الفواعل الطبيعية والأمور الكونية ، فهما يسريان في أفعالنا الخارجية أيضاً . فإذا وُجدت الإرادة وتوافرت الشرائط وارتفعت الموانع ، فإنّ المراد يتحقّق خارجاً بالضرورة . أمّا إذا انتفى جزء من هذه الأجزاء أي جزء من أجزاء العلّة التامّة فإنّ المعلول ينتفى في الخارج أيضاً ، حيث نقرأ في تتمّة النصّ السالف : « والاعتباران جاريان في أفعالنا الخارجية . فما لم نشرف على إيقاع فعل من الأفعال كان متردّداً بين أن يقع أو لا يقع . فإذا اجتمعت الأسباب والأوضاع المقتضية وأتممناها بالإرادة والإجماع بحيث لم يبق له إلّا الوقوع والصدور ، عيّنا له أحد الجانبين فتعيّن له الوقوع » « 1 » . لا يقتصر عمل هذه القاعدة على أفعالنا الخارجية وحدها بل تطّرد في أعمالنا الوضعية الاعتبارية كذلك . فإذا اختصم اثنان في ملكية مالٍ كلٌّ يدّعيه لنفسه ، كان أمر ملكيّته مردّداً بين أن يكون لهذا أو ذاك . فإن رجع المتنازعان إلى حَكم فحكم لأحدهما دون الآخر ، فإنّ في الحكم فصلًا للأمر وإخراجاً له عن الإبهام والتردّد وتعيين أحد الجانبين ، بقطع رابطته مع الآخر . هذا المعنى في الفصل والتعيين كما يسرى في الفعل ، يسرى في القول أيضاً ، وهذه الممارسة المتمثِّلة بالبتّ والإمضاء هي التي نطلق عليها عنوان القضاء . على أنّ المغزى نفسه بالاعتبارين المشار إليهما آنفاً ، يدخل في معنى

--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، ج 13 ، ص 72 .