السيد كمال الحيدري
20
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
فوجوده ليس بحادث ، وإلّا لو كان حادثاً لاحتاج إلى خالق ، ولصار مخلوقاً . لو نظرنا إلى أىّ موجود لرأيناه مسبوقاً بعدم ثم صار موجوداً ، أمّا وجوده تعالى فإنّه سابق على العدم ، لا أنّ عدمه سابق على وجوده ، وكما يقول أمير المؤمنين : « سبق الأوقاتَ كونُه ، والعدمَ وجودُه ، والابتداءَ أزلُه » « 1 » فأزله سابق على كلّ شئ . هذا المعنى يبرز في المحاورة التي دارت بين الإمام أمير المؤمنين والحبر اليهودي ، عندما جاء الحبر إلى الإمام يسأله : يا أمير المؤمنين متى كان ربّك ؟ فقال له : ثكلتك أمّك ومتى لم يكن حتى يُقال متى كان ؟ ! كان ربّى قبل القبل بلا قبل ، وبعد البعد بلا بعد ، ولا غاية له ولا منتهى لغايته ، انقطعت الغايات عنده فهو منتهى كلّ غاية » . فبهت الرجل ، وبهرته هذه الكلمات فبادر الإمامَ بقوله : « يا أمير المؤمنين أفنبىّ أنت ؟ ! فقال عليه السلام : ويلك إنّما أنا عبد من عبيد محمّد صلّى الله عليه وآله » « 2 » . تعدّ « القدرة » من البحوث الأساسية التي أولاها الكتاب عناية كبيرة . فالبحث في هذه الصفة هو بمنزلة المجسّ الذي يرسم الحدود الفاصلة بين عدد من المناهج أبرزها المنهجان الكلامي والفلسفي ، إذ يمكن التمييز بين النسقين الكلامي والفلسفي ، ومن ثمّ معرفة هوية الباحث وموقعه المعرفى والفكري ، انطلاقاً من طبيعة ما يتبنّاه من تعريف للقدرة ، وما يقدّمه على صعيد الفهم ونظرية التفسير ، وفى مضمار علاج عدد من التفصيلات التي تحفّ المسألة ؛ من ذلك مثلًا إشكالية الأهون والأصعب التي يصحّ أن تنسب إلى الإنسان لأنّ القدرة
--> ( 1 ) نهج البلاغة ، الخطبة 186 ، ص 273 . ( 2 ) الأصول من الكافي ، مصدر سابق ، ج 1 ، باب الكون والمكان ، ح 5 ، ص 89 - 90 .