السيد كمال الحيدري

19

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

الأولى : أنّ القرآن وحده لا يكفى من دون أن يُقرن بالثقل الثاني وهو العترة ، إذ نصّ النبىّ صلى الله عليه وآله أنهما لن يفترقا ، وبهما معاً تكون الهداية التامة . الثانية : أنّ العقل الإنسانى لو تُرك وشأنه بعيداً عن نور الوحي وهدى السماء لما انتهى إلى أكثر من الوحدة العددية . وهذا معناه أنّ للعقل منطقة معرفية لا يتعدّاها بإمكاناته المستقلّة ، وأنّه يحتاج إذا ما رام أن يرتقى إلى طور آخر وراءها إلى من يأخذ بيده . لكنّ الأمانة تدعونا لأن نعترف أنّ معطيات هذه المسألة لم تتضح تفصيلياً في نطاق مدرسة أهل البيت أيضاً إلّا بعد مرور قرون ؛ ما يكشف من جهةٍ عن دقّتها وحاجتها إلى المزيد من النباهة وإمعان النظر ، كما يكشف من جهة أخرى عمّا يجرّ إليه الإغضاء عن المعاني العقلية الدقيقة والرفيعة التي تنطوى عليها نصوص الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في مجال المعرفة التوحيدية . يواجهنا مصطلحا « الأزلىّ » و « السرمدىّ » ، حيث يشير الأوّل إلى طرف الابتداء ، والثاني إلى طرف الانتهاء . فإذا افترضنا أنّ للموجود بداية ونهاية ، فهو ليس أزلياً ولا سرمدياً ، وهذا هو شأن الموجودات الحادثة . بيد أنّ الأمر ليس كذلك بالنسبة إلى الله جلّ جلاله . فمهما توغّلنا من حيث الابتداء لا نصل إلى نقطة كانت ولم يكن الله فيها ، كما لا نعثر من جهة الانتهاء على نقطة تكون ولا يكون الله فيها . يؤسّس الإمام أمير المؤمنين لهذا المعنى ويبرهن عليه في ضوء مبدأ الوحدة الحقّة الحقيقية ، حيث يقول عليه السلام : « الحمد لله الدالّ على وجوده بخلقه ، وبمحدَث خلقه على أزليّته » « 1 » فبما أنّ مخلوقاته حادثة

--> ( 1 ) نهج البلاغة ، مصدر سابق ، الخطبة 152 ، ص 211 .