السيد كمال الحيدري
18
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
( واحد ) يقصد به باب الأعداد ، فهذا مالا يجوز ، لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد » « 1 » حيث يشير الشطر الأخير من النصّ العلَوىّ إلى الوحدة الحقّة الحقيقية أو الوحدة القهّارة التي تكمن أبرز خصالها في أنّها سنخُ واحد لا نهاية له ، ومن ثمّ لا يقبل الثاني ، ويستحيل أن يكون له ثان ، إذ من أين يأتي الثاني ومتى ، والمفروض أنّ ذلك الواحد لا نهاية له ؟ إذا كان هذا هو حظّ البحث الفلسفي في نظرته إلى الوحدة ، فلم يكن بمقدور البحث الكلامي أن يخرج بنتيجة تزيد على هذه الحصيلة ، حيث تؤكّد النظرة المتفحّصة للتراث الكلامي أنه لم يأت بأزيد من الوحدة العددية في هذا المضمار ، مع أنّ للقرآن الكريم إشارات صريحة في هذا الاتجاه . أمّا الإمام أمير المؤمنين عليه السلام فقد كان الفاتح لهذه المنطقة من المعرفة الإلهية منذ العقود الهجرية الأولى ، فهذه نصوصه تصدع : « واحد لا بعدد » « 2 » ، وأنّه « الأحد بلا تأويل عدد » « 3 » وأنّ « كل مسمّىً بالوحدة غيره قليل » « 4 » ، وأنّ « من وصفه فقد حدَّه ، ومن حدَّه فقد عدَّه ، ومن عدَّه فقد أبطل أزله » « 5 » . مع أنّ هذه النصوص وغيرها مئات كانت في متناول أيدي المسلمين ، إلّا أنّ المفارقة التي تستدعى التأمل أنّ هذا المجال بقي موصداً لم تزدهر في حقله نظرات المسلمين ولم تتفتّح مسارات الفكر إلّا بعد قرون ؛ ما يكشف عن حصيلتين :
--> ( 1 ) التوحيد ، مصدر سابق ، ص 83 - 84 حيث ينظر النصّ بأكمله . ( 2 ) نهج البلاغة ، مصدر سابق ، الخطبة 185 ، ص 269 . ( 3 ) نهج البلاغة ، الخطبة 152 ، ص 212 ( 4 ) نهج البلاغة ، الخطبة 65 ، ص 96 . ( 5 ) نهج البلاغة ، الخطبة 152 ، ص 212 .