السيد كمال الحيدري
17
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
أمّا المعرفة الأنفسية التي تتّجه نحو الداخل الإنسانى ، فهي تتّسع لتشمل جميع بنى الإنسان لأنّها في نفسها ليست من السنخ الذي يحتاج إلى تأليف الأقيسة وصفّ المقدمات وممارسة الجهد البرهاني ، وإنّما يكفى فيها إحساس الإنسان بذاته وإنيّته ؛ هذا الإحساس الذي لا يخلو منه إنسان على وجه البسيطة بغضّ النظر عن المستوى العلمي والوضع المدني والحضارى . لكن لما كانت المعرفة النفسية محفوفة بمشاقّ التهذيب والتزكية ، فقد عزف أكثر الناس عنها وأضحت خياراً للقلة ، على الرغم من الرصيد الذي تتمتّع به في ذات كلّ إنسان . سلفت الإشارة إلى أنّ توحيد الله جلّ وعلا فيما تعنيه هذه الوحدة هو محور البحث التوحيدي واللبنة الأساسية التي يُشاد عليها صرح المعرفة التوحيدية في الرؤية الكونية الإسلامية . لقد تعدّدت مذاهب المعرفة الدينية والإنسانية واختلفت في معنى هذه الوحدة ، وفى العصر الإسلامي تبلورت عدّة اتّجاهات توزّعت على المناهج المشهورة في المعرفة ، وهى الكلامي والفلسفي والعرفاني . بيد أنّ الرؤية ظلّت مشوبة بالنقص والسذاجة حتّى مع جهود عقول فلسفية جبّارة برزت على هذا الصعيد . فجلّ ما يستشفّ من البحث الفلسفي لفلاسفة ما قبل الإسلام وممّن تصدّى للمعارف الإلهية من فلاسفة المسلمين إلى فترة متأخّرة من العصر الإسلامي ، أنّهم يذهبون على السواء إلى مبدأ الوحدة العددية التي تكمن أبرز خصائصها في أنها تقبل الثاني ، ومن ثمّ فهي محدودة ، وهذا ما لا يليق بساحة الخالق جلّ وعلا ، وما رفضه المنطق العلوىّ بحسم : « من أشار إليه فقد حدّه ، ومن حدّه فقد عدّه » « 1 » . وقوله : « فقول القائل
--> ( 1 ) نهج البلاغة ، مصدر سابق ، الخطبة الأولى ، ص 40 .